مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر – أكتوبر | 2019

الجَوْف
الآثار والزيتون والنخيل وكثير غير ذلك


فهد الطريف

عند ذكر منطقة الجوف، تتعاقب في الذهن صور شتى لا يمكن لغير هذه المنطقة أن تجمعها: بوابة العبور الرئيسة من المملكة إلى بلاد الشام، الكثير من المواقع الأثرية، صحراء النفود، بساتين زيتون، ونخيل على مد النظر..
وإلى الكثير غير ذلك، أضيفت لمحة مستقبلية عنوانها الطاقة المتجددة.

تقع منطقة الجوف في شمال غرب المملكة، ويمكن السفر إليها عبر مطارها الإقليمي أو الطرق السريعة. ولكن التجربة التي قد تكون الأجمل، هي في السفر إليها على متن قطار الشمال الذي يشق طريقه عبر صحراء النفود بين منطقة الجوف وحائل. فيتيح للزائر أن يستمتع بمناظر لا مثيل لها، وتتمثل في كثبان الرمال الذهبية التي تصل إلى ارتفاعات شاهقة، تطعّمها الأشجار البرية كالغضا والأرطى والسبط في صور لا تُنسى.

التاريخ وآثاره أينما كان
من الصحراء إلى المتحف الإقليمي

تُعدُّ منطقة الجوف من أغنى مناطق المملكة بالآثار، بفعل موقعها الجغرافي الذي جعلها تتفاعل مع المجتمعات والحضارات التي سادت وبادت في بلاد الشام والجزيرة العربية، والآثار الباقية منها في المنطقة أكثر من أن تُحصى، وأشهرها النقوش الحجرية التي تنتشر في أماكن كثير من براري المنطقة وصحرائها، ويعود بعضها إلى أقدم المستوطنات البشرية في المنطقة مثل تلك الموجودة في قرية الشويحيطة، وبعضها إغريقي، وثمودي، ونبطي، وإسلامي في أماكن متفرقة أخرى.

تُعدّ منطقة الجوف من أهم المناطق بالمملكة التي اشتهرت بمواقعها التاريخية كونها بوابة الجزيرة العربية لبلاد العراق والشام، إذ يعيش زائرها جميع العصور التاريخية.

وإضافة إلى النقوش الصخرية الشهيرة، يوجد في المنطقة عدد من المعالم العمرانية التاريخية، وأهمها على الإطلاق مسجد عمر بن الخطاب في دومة الجندل، الذي بناه الخليفة، رضي الله عنه، عام 16 للهجرة وهو في طريقه إلى بيت المقدس. وتنبع أهمية هذا المسجد من كون تخطيطه الحالي هو نفسه التخطيط القديم الأصلي، حسبما يقول الخبراء، مما يجعله واحداً من أقدم المساجد في العالم، ونموذجاً لما كان عليه تخطيط المساجد الأولى.
ومن المواقع التراثية الأخرى، نذكر حي الدرع، وحي الضلع بمبانيه الحجرية وأزقته الضيقة الذي يعود إلى نحو 200 سنة خلت. وكذلك بعض الحصون التاريخية، مثل حصن مارد الحصين في دومة الجندل، وحصن زعبل في سكاكا، وفي آثار الرجاجيل حكايات من حضارات عاشها البشر قبل آلاف السنين، إضافة إلى العديد من المواقع الأثرية المشهورة منها: بئر سيسرا القريب من قلعة زعبل، وسور دومة الجندل وسوقها، وقاعة الصعيدي وقصر كاف بمحافظة القريات.
ونظراً لهذه الوفرة في الموجودات الأثرية والتراثية في المنطقة، أنشأت الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني “متحف الجوف الإقليمي”، المتميز بموقعه المطلّ على المنطقة الأثرية في محافظة دومة الجندل، وبمقتنياته الكثيرة من البقايا الأثرية التي عُثر عليها في المنطقة، إضافة إلى المخطوطات والعروض المتحفية.
وتمتد دلائل اعتزاز أهالي الجوف بتاريخهم وتراثهم إلى مجموعة من المتاحف الخاصة، مروراً بالمطاعم التراثية التي لا بد للزائر أن يعرّج عليها، ليتذوق على الحصير في بيوت الطين أكلات الماضي الشعبية وخبز الصاج وزيت الزيتون.

زيتون الجوف
تشتهر منطقة الجوف بخصوبة أراضيها وتوفر المياه الجوفية واعتدال الأجواء فيها مما جعلها تنتج كثيراً من المزروعات، ومن أشهرها اليوم زراعة الزيتون.
تُعدُّ زراعة الزيتون في الجوف واحدة من أنجح المشروعات الزراعية في العالم. إذ بدأ كل شيء من تجربة أقرب إلى المغامرة في العام 2007م، ولكن نجاحها أدى إلى تحوُّل الجوف إلى أكبر بستان زيتون عضوي في الشرق الأوسط، يضم حالياً %2 من كل زيتون العالم.
يبلغ عدد أشجار الزيتون في الجوف أكثر من 15 مليون شجرة من 30 نوعــاً، تتـوزع على 12 ألف مزرعـة و3 آلاف مشـروع زراعي. وتنتج مجتمعة نحو 100 ألف لتر من الزيت و15 ألف كجم من زيتون المائدة.
وتعود قصة النجاح هذه إلى أن منطقة الجوف كانت الرائدة في كل الشرق الأوسط باعتماد نمط زراعي حديث يعرف باسم “الزراعة المكثفة للزيتون”، ويسمح بزراعة 1600 شجرة في الهكتار الواحد، في حين أن عدد الأشجار في زراعة الزيتون بالطريقة التقليدية لا يتجاوز 200 شجرة في الهكتار. ويبلغ عدد الأشجار المزروعة بهذه الطريقة في الجوف نحو 5 ملايين شجرة.
ومع الإقبال الكبير على منتجات الزيتون وسّع سكان المنطقة استثماراتهم في شجرة الزيتون ومشتقاته الكثيرة مثل تصنيع الصابون وأدوات التجميل، إضافة إلى صناعة الفحم من مخلفات عصر ثمار الزيتون، والمسماة “الجّفت”.
ولما لهذه الشجرة المباركة من أهمية في المنطقة، فقد افتتحت جامعة الجوف مركزاً لأبحاث الزيتون، يعمل على إجراء البحوث ونشرها لتثقيف أبناء المنطقة بكل ما هو جديد في هذا الحقل، كما يساعد مركز الأبحاث والمراعي المزارعين من خلال دورات تدريبية وورش عمل لتطوير تقنيات الإنتاج.

والنخيل طبعاً..
ومن الزيتون إلى النخيل الذي يوجد منه في المنطقة نحو مليون ومئتي ألف نخلة في أكثر من 5000 مزرعة، تنتج أحد عشر ألف طن من التمور، وتُعد أساس الصناعة اليدوية الأبرز في المنطقة، وهي صناعة حفظ التمور التي يطلق عليها اسم “التمر المكنوز”.
فقد عرفت منطقة الجوف منذ قرون بإنتاج تمور عالية الجودة، لذيذة المذاق. ولا تخلو مذكرات المؤرخين والرحالة الأوروبيين الذين زاروا المنطقة منذ القرن التاسع عشر، من الإشادة بالتمور التي تناولوها أثناء زيارتهم للمنطقة. ومنهم الرحالة السويدي جورج أوغست الذي زارها مرتين في عامي 1847 و1848م، ووصف في كتاباته تمر الجوف بأنه “من أطيب أصناف التمر، ونكهته أفضل من نكهة تمر البصرة وبغداد، وفي الجوف أصناف عديدة وكلها جيدة، وقد أكلت منها خمسة عشر صنفاً”.
وعندما تذوق الرحالة وليم بالجريف عام 1862م تمر الجوف قال فيه “لن تلاقي له مثيلاً في شمال الجزيرة كلها”. أما الرحالة الإنجليزية الليدي آن بلنت التي زارت الجوف عام 1879م، فقد انبهرت بحلاوة مذاق تمور الجوف، وكتبت تقول: “بالإمكان أن نستخلص منها السكر العادي”، وأضافت في كتابها (رحلة إلى بلاد نجد)، “يوجد في الجوف من أنواع التمور بقدر ما لدينا من أنواع التفاح في بساتيننا”.

السمح البري.. أتعرفونه؟
ولفصل الصيف طابع خاص في منطقة الجوف يغلب عليه جني المحاصيل الزراعية والفاكهة من نحو مليوني شجرة مثمرة، مثل الخوخ والمشمش والبرقوق والنكتارين والعنب والرمان والتفاح والكمثرى واللوز والفستق الحلبي والتين.. وغير ذلك من الأصناف، وبكميات كبيرة تغطي السوق المحلي وأسواق دول الخليج العربي.
ولكن إضافة إلى هذه الأنواع المعروفة، تشتهر المنطقة بنبات السمح البري. وهو نبات حولي ينمو في موسم الأمطار، ويُجنى في منطقة بسيطا خلال شهري يونيو ويوليو. فتُقطف زهور السمح، وتُسمى “الكعبر”، وتوضع في أوعية مليئة بالماء لتتفتح وتُطلق ما فيها من سمح يستقر في قعر الوعاء. ثم يصفى الماء ويجمع السمح ويحمس على نار هادئة ثم يُطحن، ليُستخدم في تحضير أطباق عديدة أشهرها إضافته إلى التمر المكنوز مع السمن الطبيعي، ليشكِّل بذلك “البكيلة” التي اشتهرت بها المنطقة، كما يستخدم كالدقيق في صنع خبز من نوع خاص. ومن أهم الفوائد لهذه النبتة احتوائها على عديد العناصر الغذائية كالبروتين والبوتاسيوم والكالسيوم والمغنيسيوم والجلوكوزيدات.

عاصمة الطاقة المتجدِّدة
للجوف حكاية مع المستقبل كما كان لها قصة مع الماضي. وبات يُطلق عليها اسم “عاصمة الطاقة المتجدِّدة”، بفعل مشروع مدينة سكاكا للطاقة الشمسية الكهروضوئية الذي تبلغ طاقته “300 ميجاواط”، ومشروع محافظة دومة الجندل لطاقة الرياح بطاقة “400 ميجاواط”.
فقد كان الموقع الجغرافي لمنطقة الجوف عامل جذب للاستفادة من أراضيها المسطحة المنبسطة، التي تتعرَّض لكمية كبيرة من أشعة الشمس، إضافة إلى وجود تيارات هوائية مستمـرة ليقـام عليها أول مشروع لإنتاج الكهرباء بواسطة الخلايا الشمسية وطاقة الرياح. حيث يجري العمل حالياً على هذه المشروعات وفق توجهات رؤية المملكة 2030، للاستفادة من مصادر الطاقة غير النفطية. ويعوّل على هذه المشروعات أن تؤدي دوراً مهماً في مساعدة المملكة على تحقيق أهدافها في مجال الطاقة المتجدِّدة، والمتمثلة في توليد أكثر من 25 جيجاواط من طاقة الرياح والطاقة الشمسية خلال السنوات الخمس المقبلة، وحوالي 60 جيجاواط بحلول عام 2030م.

بحيرة دومة الجندل

لاجتذاب الزوّار..
المهرجانات تتحالف مع الطبيعة

اعتزازاً بازدهار زراعاتهم، وبهدف تسويق منتجاتها، يقيم أهالي الجوف مهرجانين سنويين كبيرين، أحدهما “مهرجان الزيتون” في مدينة سكاكا، الذي يقام منذ 12 عاماً على التوالي، لعرض منتجات المزارعين المتنوِّعة، وبات يشكِّل أكبر نافذة بيع في الخليج. والآخر هو “مهرجان التمور” في دومة الجندل، الذي يُقام في شهر فبراير من كل عام.
وإضافة إلى هذين المهرجانين الكبيرين، هناك أيضاً مهرجان الربيع في زلوم، ومهرجان الأفلام في أبوعجرم، ومهرجان كاف في القريات، ومهرجان الفواكه في طبرجل.
تتحالف هذه المهرجانات مع الطبيعة الجذّابة في المنطقة على اجتذاب الزوّار من أرجاء المملكة ودول الجوار الخليجي، خاصة في فصلي الربيع والخريف عندما يكون الطقس معتدلاً.
فالأرض في منطقة الجوف تتميز بتنوِّع تضاريسها ما بين النفود الرملية والجبال والسهول المنبسطة ذات المساحات الشاسعة. ومع هطول الأمطار في بداية الوسم، تتحوَّل تلك التضاريس إلى مسطحات خضراء تكسوها النباتات البرية المتنوِّعة التي تستهوي مرتادي البراري وأصحاب الماشية الذين يبحثون عن الكلأ لمواشيهم
فما إن تكتسي الأرض بالخضار، حتى يقوم هواة التخييم من مختلف مناطق المملكة والخليج بتجهيز السيارات ومعدات التخييم ليتجهوا شمالاً، حيث يقضون عدة أيام في نزهات برية بين الخزامى والديدحان والشيح والكيسوم والربحلاء والنفل. كما ينصرف البعض إلى البحث عن الكمأ (الفقع) الذي ينبت بكميات وافرة في منطقة الجوف بنوعيه الزبيدي والغلاسي.
ولأن المنطقة تقع على المسارات الطبيعية لهجرة الطيور، يجد هواة مراقبة الطيور ضالتهم في محمية حرة الحرة، حيث تتجمع الطيور المهاجرة من الشمال إلى الجنوب. أما هواة الرياضات المائية، فيمكنهم أن يقصدوا بحيرة دومة الجندل.
أنشئت هذه البحيرة في عام 1408هـ من فائض مياه مشروع الري الزراعي، وتبلغ مساحتها مليون ومئة ألف متر مربع، وبطاقة تخزينية تبلغ 11 مليون متر مكعب من المياه، فيما يبلغ محيطها حوالي 8 كيلومترات، وعمقها 25 متراً. وقد جهزت ضفافها بجلسات على مسطحات خضراء تزيد مساحتها على 14 ألف متر مربع، مما جعلها وجهة سياحية تضاف إلى مقومات السياحة في المنطقة لقربها من المواقع الأثرية.

تصوير: أحمد الجروان


مقالات ذات صلة

الموسيقى والفن والرياضة لغات عالمية مشتركة بين البشر؛ لأنها تكسر الحواجز الفاصلة بينهم، وتضفي هوية واحدة عليهم جميعاً، وهي الهوية الإنسانية. كما أن اجتماع البشر من أجل اختبار تجارب مشتركة هو حاجة إنسانية نفسية، وأمر كان يقوم به البشر منذ بداية الزمن تقريباً. ومن أبرز هذه التجارب المشتركة المهرجانات الموسيقية التي تجمع بين الناس، حيث […]

أدى تطوّر مفهوم “الاستدامة” إلى الالتفات صوب التعليم ودوره في تأهيل الجيل الناشئ للتعامل مع هذا المفهوم الذي يُعوّل عليه الكثير لمواجهة تحديات المستقبل في كافة المجالات من التنمية والإنتاج إلى البيئة. وما إن ظهرت أولى الدعوات إلى تطوير التعليم بحيث يتمكن من تأدية هذا الجانب الجديد في وظيفته، حتى ظهرت طلائع ما صار يُسمى […]

ثَمَّة مصطلح جديد دخل عالم الهندسة والبناء وهو “المباني عالية الأداء”، الذي يشير إلى المباني التي تدمج في تصميمها خصائص مختلفة مثل فعالية الطاقة، والمتانة، ودورة حياة المبنى، وإنتاجية الساكنين، أي مستوى الفعالية الإنتاجية لقاطني المبنى حسب ظروف بيئته الداخلية والأمان وسهولة الوصول، والاستدامة والفائدة من حيث التكلفة والاعتبارات التشغيلية المختلفة. لذا، قرَّرت جامعة بلايموث […]


0 تعليقات على “الجَوْف الآثار والزيتون والنخيل”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *