مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2024

بانتظار تكنولوجيا جديدة تُريحنا منه

التلوُّث الضوضائي.. مشكلة متفاقمة


فيان الخفاجي وفريق القافلة

لم يكن العالم صاخبًا كما هو الآن. كانت الأصوات الاصطناعية، التي يحدثها البشر عبر التاريخ مقصورة على بعض الآلات الموسيقية والطبول والأبواق وغير ذلك من الأدوات، التي كانت تُستخدم في مناسبات محددة. لكن عالمنا يشهد اليوم مجموعة كبيرة من أصوات الآلات والمركبات، والأجهزة التي تنقل الأصوات عبر الأثير من كل زاوية في الكرة الأرضية، حتى إنها طغت على الطبيعة نفسها وحاصرت البشر من كل صوب. وإن كان كل هذا قد بدأ مع الثورة الصناعية وتطور التكنولوجيا، فإننا نعوّل اليوم على هذه التكنولوجيا نفسها لحماية البشر والطبيعة من أضرار التلوث الضوضائي.

بدءًا من الطائرات التي تحلّق بصوت عالٍ في السماء وحتى الطنين المتواصل للهواتف المحمولة أينما وُجِد المرء، بات البشر اليوم محاصرين من كل جهة بكل أنواع الضوضاء، التي تفرض سيطرتها على أنماط حياتهم المختلفة؛ لتترك آثارها الصحية والنفسية السلبية عليهم من دون أن يشعروا بذلك. وأصبح “التلوث الضوضائي” مشكلة متفاقمة خارجة عن السيطرة لدرجة أن الوكالة الأمريكية للبيئة ووكالة البيئة الأوروبية عدَّتاها تهديدًا مباشرًا وخطيرًا لصحة البشر ورفاهيتهم وصحة الكائنات الأخرى.

نقل الصوت ودوره

بدأ ذلك مع أول سفينة تعمل بمحرك بخاري شقَّت عُباب البحار عام 1803م، على يد البريطاني لورد دانداس، ومع استبدال الأحصنة التي كانت تجرُّ مقطورات السكك الحديدية الأولى بالمحرك البخاري في المملكة المتحدة عام 1804م، على يد المهندس البريطاني أيضًا ريتشارد تريفيثيك. وتفاقمت لاحقًا مع ظهور أول سيارة في سلسلة الإنتاج عام 1886م، عندما طوَّر كارل بنز سيارة تعمل بالبنزين، وصنع عدة نسخ متطابقة منها، وكذلك مع أول طائرة نفاثة “هينكل 178” الألمانية في عام 1939م.

وقبل اختراع الهواتف الكهرومغناطيسية المعروفة اليوم، كانت هناك أجهزة صوتية ميكانيكية لنقل الكلام والموسيقى لمسافة أكبر من مسافة الكلام المباشر العادي. إن العلبة المعدنية الصوتية التي استُخدمت فيما كان يُعرف بـ”هاتف العشاق”، معروفة منذ قرون؛ ولا يزال يتذكرها كبار السن الآن كإحدى الألعاب القديمة. أمَّا الهواتف الكهرومغناطيسية الحديثة، فهي تعمل بتحويل الاهتزازات الصوتية إلى إشارات كهربائية تسمح بنقلها مباشرة عبر مسافات بعيدة، وبسرعة تقارب سرعة الضوء؛ أي حوالي 300,000 كيلومتر في الثانية. ومع انتشار شبكة الإنترنت ونقلها عبر الهواتف، خاصة النقالة منها، أصبح سكان الكرة الأرضية موصولين بعضهم ببعض أينما وُجدوا. وأصبحت أصواتهم تملأ معظم الفضاءات الحضرية وغيرها.

والحدث المهم في تاريخ الاتصالات اللاسلكية، جاء مع أول جهاز راديو عام 1901م، وإرسال أول إشارات لاسلكية عبر المحيط الأطلسي. تبع ذلك ظهور التلفزيون في ثلاثينيات القرن العشرين.

ما التلوث الضوضائي؟

هو مزيج من الأصوات المزعجة التي لها تأثيرات سلبية على نشاط البشر خارج منازلهم وداخلها. إذ تتمثَّل الضوضاء الخارجية في آلات البناء والحفر ومعداتهما، وأصوات محركات الطائرات، وحركة القطارات والسيارات، ودويّ الماكينات والمعدات داخل المصانع. وتتمثَّل الضوضاء الداخلية في صوت جميع الأجهزة داخل البيوت، وهي أكثر ضررًا من الضوضاء الخارجية؛ لأن الأماكن المفتوحة تتفرّق فيها الموجات الصوتية بشكل أسرع من الأماكن المغلقة.

وتترافق هذه الظاهرة، عادة، مع التقدُّم العمراني والصناعي في المدن. فقد أصبح التلوث الضوضائي سمة من سمات المدينة. والمدهش في الأمر الآن، أن السكان يتعايشون مع هذه الضوضاء، التي يصل معدلها إلى 70 ديسيبلًا في الشوارع. وهذا المعدل يزداد في العمارات السكنية الواقعة بالقرب من محطات المترو والمطارات والمناطق الصناعية، وهي من نوعية السكن منخفض الكلفة، التي يقطنها أغلب سكان المدن. لذلك، يُمكن القول إن التلوث الضوضائي هو مشكلة طبقية أيضًا. فالمناطق المتوسطة والفقيرة هي أكثر تضررًا بالتلوث الضوضائي من المناطق الغنية، كما سنرى لاحقًا في الإحصاءات حول الضوضاء في مدينة نيويورك.

المستوى المقبول من الضوضاء

تقُاس الضوضاء بوحدة الديسيبل، التي تعكس شدة الصوت. ومن المعروف أن الصوت الذي يقع بين 0 و40 ديسيبلًا يُعدُّ صوتًا خافتًا، وبين 50 و60 ديسيبلًا هو مستوى المحادثة العادية، وبين 70 و80 ديسيبلًا يُعدُّ صوتًا مرتفعًا وقد يُحدث أضرارًا صحية بالمستمع، أما بين 90 إلى 110 ديسيبلات يُعدُّ مزعجًا جدًا. وما فوق ذلك، هو أقصى درجات الإزعاج، التي قد تُفضي إلى إلحاق أضرار جسيمة بالإنسان، وحتى إلى الموت.

آثاره على صحة البشر والحيوانات

وفقًا للجنة الدولية المعنية بالتأثيرات البيولوجية للضوضاء، فإنه “يجري التقليل من شأنها في كثير من الأحيان”. وتقول مجلة “هارفارد مديسين”، ربيع 2022م، الصادرة عن كلية الطب في جامعة هارفارد: “إن الباحثين والأطباء بدؤوا تغيير هذا الأمر، وأظهروا أن التلوث الضوضائي لا يؤدي فقط إلى فقدان السمع وطنين الأذن وفرط الحساسية للصوت، بل يمكن أن يسبب أو يؤدي إلى تفاقم أمراض القلب والأوعية الدموية، وداء السكري من النوع الثاني، واضطرابات النوم، وضغط الدم، ومشكلات الصحة العقلية والإدراك مثل ضعف الذاكرة ونقص الانتباه؛ وتأخر التعلُّم في مرحلة الطفولة، وانخفاض الوزن عند الولادة. ويحقق العلماء في روابط محتملة أخرى، بما في ذلك الخَرَف”.

ويقول الأستاذ المشارك في قسم الطب السكاني بمعهد هارفارد بيلجريم للرعاية الصحية، بيتر جيمس: “إن قياس إسهام التلوث الضوضائي في المشكلات الصحية والوفيات في الولايات المتحدة الأمريكية، لا يزال يمثّل تحديًا… (لكن) تشير التقديرات إلى أن التعرّض للضوضاء المزمنة يُسهم في 48,000 حالة جديدة من أمراض القلب في أوروبا كل عام، ويُعطّل نوم 6.5 ملايين شخص”.

وأظهر مسح أجرته مدينة نيويورك حول تأثير الضوضاء على السكان بين عامي 2016م – 2017م، أن 82% من سكان المدينة البالغين أبلغوا عن اضطراب في النوم من أي نوع مرة واحدة على الأقل في الأسبوع. وضمن هذه المجموعة، أفاد 64%، أو ما يُقدَّر بنحو 3,189,000 بالغ، بأن الضوضاء هي سبب لقلة نومهم. وذكر المسح أن 39% من سكان نيويورك، أو ما يُقدَّر بـ2,494,000 بالغ، يعانون اضطرابات النوم المتكررة المرتبطة بالضوضاء ثلاث ليالٍ أو أكثر في الأسبوع. كما كشف المسح أن 37% من سكان نيويورك السود، و48% من اللاتينيين، أكثر عرضة للإبلاغ عن اضطراب نومهم بشكل متكرر بسبب الضوضاء، مقابل 28% من البيض.

بيْدَ أن التلوث الضوضائي لا يصيب البشر فقط. فالحيوانات كما البشر، لم تسلم هي الأخرى من التأثيرات السلبية لزحف التلوث الضوضائي للمحيطات والأماكن الهادئة في العالم، وانعكس أثره واضحًا على تغيّر عاداتها السلوكية، وأثَّر في قدرتها على البقاء حيّة في الطبيعة. وكمثال على ذلك، فإن الضوضاء العالية جعلت الطائر الطنان الأزرق يبيض عددًا أقل، وأصبح اليوم مهددًا بالانقراض. وأصبحت حلقات يرقات حشرة الكاتربيلار تنبض بشكل أسرع. وتغيَّرت بعض سلوكيات الحيوانات المتعلقة بالتزاوج والهجرة والبحث عن الطعام وتفادي هجوم الحيوانات الأخرى.

أمَّا الحيوانات البحرية، فلم تكن في منأى عن تأثيرات الضوضاء؛ إذ أظهرت الدراسات أن حركة السفن وما تستخدمه من أجهزة السونار الخاصة بتحديد المواقع (التي تُرسل نبضات صوتية إلى أعماق المحيطات لتحديد مكان جسم ما، وإعادة الصدى إلى السفينة لتحدد مكان الجسم) التي تستخدمها، ومعدات الحفر وأجهزة المسح الزلزالي (التي ترسل باقات صوتية ضخمة داخل البحر)، أثَّرت كثيرًا في قدرة الحيتان والدلافين على التواصل، كما أثَّرت في سلوكياتهم المتعلقة بالهجرات الموسمية والبحث عن الطعام والتزاوج. علمًا أن مستوى صوت السونار قد يرتفع حتى 235 ديسيبلًا، ويصل إلى مئات الأمتار تحت سطح البحر.

أصخب المدن في العالم

أعلن برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقريره الصادر عن التلوث الضوضائي لعام 2022م، أن لندن هي أكثر المدن ضجيجًا في أوروبا؛ لأن ساكنيها يتعرضون بشكل متواصل ومستمر لشتى مصادر الضجيج، التي تتجاوز في متوسط معدلها 86 ديسيبلًا. وهذا المعدل يفوق المستوى الآمن الذي حددته منظمة الصحة العالمية (WHO)، وهو 53 ديسيبلًا. وفي آسيا، سجَّلت مدينة دكا في بنجلاديش المرتبة الأولى بنحو 119 ديسيبلًا. كما جاءت مدينة نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية في المرتبة الأولى في أمريكا الشمالية بـ95 ديسيبلًا. وكانت العاصمة الجزائرية في المرتبة الأولى في شمال إفريقيا بـ100 ديسيبل.

المطلوب حلول غير تقليدية

من أشهر الوسائل التقليدية التي يلجأ إليها أغلب الأفراد للحد من الضوضاء، ارتداء السماعات الواقية على الأذن واستخدام الضوضاء البيضاء (مصطلح تقني يشير إلى جميع الترددات التي يسمعها البشر، أي تلك التي تقع في مجال الطيف الترددي ما بين 20 و20 ألف هيرتز)، والضوضاء الوردية، وهو مصطلح جديد يشير إلى الأصوات ذات التردد المنخفض والناعم والساكن (كحفيف الأشجار وصوت موج البحر والمطر)، ولكنها وسائل لم تعد كافية للمحافظة على صحة البشر.

الحلول التقليدية لم تعد كافية لمعالجة الضوضاء في المدن، والبحث جارٍ عن مواد عازلة جديدة ووسائل مبتكرة.

ومن الوسائل التقليدية الأخرى المستخدمة، التي لم تعد كافية أيضًا، زراعة الأشجار على الطرق السريعة وداخل المدن؛ لأن الأشجار الكبيرة والمورقة تمتص الضوضاء، واستخدام النوافذ ذات الألواح الزجاجية الثنائية في المنازل وأماكن العمل، واستبدال أرضيات الشوارع المبلطة بالأحجار أو البلاط المعشق بالأسفلت الأكثر ملاسة، وتفضيل السير على الأقدام أو استخدام الدراجة على استخدام السيارات.

ويحاول العلماء والمبتكرون اليوم توظيف إمكاناتهم ومعارفهم الفيزيائية في صناعة أدوات مبتكرة وغير تقليدية؛ للحدِّ من التلوث الضوضائي في المدن. فقد وظّف فريق من جامعة بوسطن الأمريكية، خبراتهم في علم الرياضيات وفيزياء الضوضاء؛ لتصنيع مجسّم من مادة خارقة صوتية تمنع سماع الضوضاء، وتحافظ على تدفق الهواء في الوقت نفسه. وهذه المادة أقوى بكثير من المواد العازلة التقليدية؛ لأنها مهندَسة بدقة متناهية من المعادن واللدائن، ولها بُنية حَلقية مفتوحة النهايتين تستطيع أن تتلاعب بالصوت، وتمنع وصوله إلى الأذن بنسبة %94، كما جاء في مجلة “فزيكال ريفيو” (2019م).

وظهرت بعد ذلك بحوث أخرى واعدة نشرتها مجلة “سانسورز” (المجلد 23 العدد 9، 2023م)، نجحت هي الأخرى في تصنيع مواد بالطريقة نفسها لخفض الصوت المزعج، مضافًا إليها استغلال الطاقة الناتجة عن الضوضاء من المصادر الخارجية بخزنها في بطاريات ليُعاد استخدامها في تشغيل الأجهزة الإلكترونية منخفضة الطاقة؛ أي تحويل الطاقة الاهتزازية إلى طاقة كهربائية. وتستخدم هذه الآلية مواد ذات خاصية “البيزوإلكتريك”، أو كهرباء الانضغاط التي تستطيع توليد الكهرباء استجابةً للضغط الميكانيكي عليها.


مقالات ذات صلة

الدراسات التي تتناول الإنسان القديم، وما طرأ عليه عبر التاريخ من تغيّرات جسدية وسلوكية ونفسية، كانت تتعثر نظرًا لصعوبة توثيق السمات المتعلقة بأفراد الحضارات السابقة وشعوبها وأنشطتها المختلفة بالطرق التقليدية. ولكن وسائل الذكاء الاصطناعي المتعددة أسهمت في إعادة النظر في كثير من الأبحاث التاريخية المعنية بدراسة الحضارات السابقة؛ بغية التعرُّف على عادات شعوبها، ووسائل معيشتهم، وطرق تفكيرهم، ومناهج إدارتهم لأمورهم المعاشية، إضافة إلى الكشف عن الاتجاهات النفسية التي سادت في تلك الحقب الماضية. وقد حُدَّ من سيل التكهنات والتخمين والتصور الخاطئ، الذي كان يرافق فيما مضى تدوين التاريخ القديم.

لأن الممارسات الزراعية الحديثة بعد الثورة الصناعية قد أثرت سلبًا في البيئة، وتسببت في تآكل التربة ومشكلات بيئية عديدة، ظهرت الزراعة العضوية في النصف الأول من القرن العشرين بديلًا للزراعة الرائجة، بهدف إيجاد بدائل مستدامة لاستخدام المبيدات الكيميائية والأسمدة الصناعية والحرث العميق. بمعنى آخر، الزراعة العضوية هي نموذج متطور للنشاط الزراعي يُسهم في الحفاظ على التوازن البيئي. ومن أهم الأهداف التي تسعى إليها الزراعة العضوية، الحفاظ على سلامة التربة وحيويتها.

طوّر باحثون في جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) “نظام جلد مغناطيسي مساعد” يسمح للأشخاص الذين يعانون من صعوبات في النطق بإنتاج أصوات رقمية، وفقًا لتقرير الجامعة في فبراير 2024.


رد واحد على “التلوُّث الضوضائي.. مشكلة متفاقمة”

  • الضوضاء شي مزعج فعلا لدرجة الانسان حين يشعر بالضغوط يحاول أفراغ ما يشعر به من الضغوط لذا يلجأ لأماكن ذات راحة وسكينة مثل الذهاب الى البحر او البر او أماكن لحتساء القهوة يكون مكان هادئ لذا فأن الضوضاء ليست الدرجة مزعجة فقط بال تكاد تكون مرض إذ لم نققل من الضوضاء او الابتعاد عن الاماكن التي تتواجد بها الضوضاء اشكر من كتب هذا المقال .


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *