مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2020

البيت… بناءٌ وقيمة


فريق القافلة

تختلف طُرز العمارة وتتبدَّل بتبدّل الأزمان. وتتطوَّر أنماط العيش في البيت بتطوّر العالم، ولكن قيمة البيت تبقى راسخة لا تتبدَّل.
وبفعل الأُلفة الشديدة بيننا وبين بيوتنا، صرنا نَعُدُّ وجودها تحصيل حاصل وأمراً مسلَّماً به. فهي دائماً هناك بانتظارنا عندما نحتاج العودة إليها. حتى إن الحياة الحديثة كادت أن تُلهينا عن بعض ما في بيوتنا من قيمة، نظراً لما في حياتنا العصرية من أسفار وأعمال ونقاط جذب بعيدة عن البيت، إلى أن كانت هذه الجائحة التي اجتاحت العالم.
فمنذ الأسابيع الأولى من هذا العام، انكفأ معظم سكَّان المعمورة إلى بيوتهم، طوعاً أم قسراً، ليحموا أنفسهم من وباء الكورونا. فخلت شوارع العواصم والمدن، وأغلقت معظم مراكز العمل والمكاتب والمتاجر، وهُجرت أماكن الترفيه. ولكن البيوت ضجَّت بالحياة كما لم تعرف من قبل، واستمرت لأسابيع وأشهر حاضنة لصخب العائلات التي اجتمع كل أفرادها لفترة طويلة متواصلة امتدت لأشهــر من دون انقطاع يُذكر.
وخلال هذا “الحجر المنزلي”، أعاد كثيـــــرون اكتشــــاف منازلهــــم، ســـواء أكان ما يمكن أن توفِّره لهم، أم ما تحتاجه منهم.
في هذا الملف يعود بنا فريق القافلة إلى البيت، لنستطلع هذه القيمة التي لا تقتصر على إيوائنا وقت الحاجة، بل تتعدَّى ذلك إلى ما هو أبعد منه بكثير.

من دون العودة إلى أية دراسة تاريخية أو مرجع، نعرف أن البيت نشأ من حاجة الإنسان إلى مكان يأويه ويحميه من عوامل الطبيعة ومخاطرها، وأيضاً من مخاطر البشر الآخرين. وفي تأدية هذه الوظيفة المبدئية، لا فرق بين الكهف الذي سكنه الإنسان في العصر الحجري، والبيت العصري الذي يصمِّمه اليوم معماري عالمي. ولكن إلى جانب هذه الوظيفة، أو من خلال تأديتها، يصبح البيت صرحاً ذا أبعاد معنوية تتكامل مع وظيفته المادية، لينشأ من هذا التكامل عالَم معبّر عن أهمية الرابطة الأسرية، وحاضنها. عالَم مصغّر فيه القليل من كل ما في العالم الكبير: الأفكار المشتركة، التربية، المحبة، التمرُّد، السلطة. وحتى الكراهية والغضب والنفور.

يحوز البيت كماله بالدرجة الأولى من خلال العاطفة والعادات والعلاقات الأسرية التي تضّخ فيه.

فكل الدراسات التي أجراها علماء الاجتماع عبر أصقاع العالم، سواء أكانت دراسة العادات البيتية في جبال الأطلس التي أجراها الفرنسي بورديو، أم دراسة الكَنَدي داني ميللر لفلسفة تزيين الشقق في أحد أحياء لندن، وصولاً إلى دراسة الصورة الذهنية للبيت عند المشرَّدين واللاجئين الذين لا يملكون بيوتاً، تؤكد أن البيت يحوز كماله بالدرجة الأولى من خلال العاطفة والعادات والعلاقات الأسرية التي تضّخ فيه. فالبيت من دون تأثيرات سكانه هو مجرد كتلة من مواد البناء.

بين مبنى البيت ومحتواه
ما تغيّر وما لم يتغيّر

تبدَّلت طُرز بناء البيوت عبر التاريخ بشكل يستحيل حصره، واستُخدمت لهذه الغاية مختلف المواد التي توفِّرها الطبيعة من الطين إلى الحجارة والنسيج والأخشاب، وتلك التي توفِّرها الصناعات الحديثة مثل الفولاذ والزجاج. وتدخلت في ذلك مؤثرات حاسمة كثيرة مثل القدرات المادية والاحتياجات الشخصية أو الأسرية. وبشكل عام، يمكن القول إن البيت المعاصر بات يتضمَّن من وسائل الرفاهية أكثر مما تضمَّنته بيوت الأجداد وأسلافهم. ولكن هل أصبحت بيوت اليوم فعلاً أفضل مما كانت عليه؟ قد يكون الأمر مثيراً للجدل في بعض الجوانب، ولعل أبرزها الجانب الجمالي. ولذا نقول إن البيوت في أشكالها المادية كانت تتغيَّر وتتبدَّل، من دون الجزم في أي اتجاه كان ذلك. أما ما لم يتغيّر عبر التاريخ فهو البُعد المعنوي للبيت وقيمته.
فبفعل الشعور الدائم بالأمان في البيت، يصبح فضاؤه الداخلي نقيض كل الخارج المثير للقلق بمتاعبه وأخطاره ومشكلاته. ويتولّد من ذلك ارتباط عاطفي بالبيت يتجلّى أكثر ما يتجلَّى عند اضطرار أحد أبنائه إلى مغادرته إما لسفر أو لزواج يؤسِّس بيتاً ثانياً. ففي أغلب المجتمعات المتماسكة أُسرياً، كما هو حال مجتمعاتنا العربية، يكون هذا الفراق مؤلماً وذا تأثير كبير على مسار العائلة والعلاقات فيها. فترك المنزل هو بمثابة خسارة الشعور بالأمان والابتعاد عن الحياة المألوفة والمعتادة.

بفعل الشعور الدائم بالأمان في البيت، يصبح فضاؤه الداخلي نقيض كل الخارج المثير للقلق بمتاعبه وأخطاره ومشاكله. ويتولّد من ذلك ارتباط  عاطفي بالبيت يتجلّى أكثر ما يتجلَّى عند اضطرار أحد أبنائه إلى مغادرته إما لسفر أو لزواج يؤسس بيتاً ثانياً.

وأكثر من ذلك، ثَمَّة مجموعة كبيرة من الدراسات التي تؤكد أن انتقال أسرة من بيت إلى آخر، يمثل واحداً من أشد الضغوط النفسية عليها، وخاصة على الأطفال، حتى ولو كان البيت الجديد أفضل من السابق. ومرد الضغط هو الشعور بخسارة جزء من الهوية الشخصية. فتماهي الإنسان مع بيته من الأمور المسلّم بها. إذ يكفي أن نقرأ وصفاً دقيقاً لبيت ما بعمارته ومفروشاته فقط، لنعرف أموراً كثيرة عن شخصية صاحبه وقيمه واهتماماته.
ومن صور متانة الانتماء إلى البيت، هو أن مفردة البيت باتت في ثقافات عديدة مرادفة لكلمة عائلة. ففي بعض البلدان العربية، وخاصة بلاد الشام، تُستخدم كلمة بيت للإشارة إلى الأسرة الكبيرة التي تحمل اسم العائلة نفسه، فيقال “فلان من بيت فلان”، أي “من آل كذا”. واللافت أن الأمر نفسه ينطبق على اللغتين الفرنسية والإنجليزية، ولكن حصراً بالعائلات المالكة والأرستقراطية العليا. ففي فرنسا يقولون “La maison des Bourbons” أي “بيت البوربون”، وفي إنجلترا “The house of Windsor”.. فالبيت وساكنه يشكِّلان وحدة لا فكاك فيها.
وللبيت خطابه النفسي العام الذي نتلمَّسه بشكل عفوي. فتجمع بعض البيوت الجميلة في منطقة معينة يعطيها هوية مستحبة، ويولد الانطباع بأن كل ما فيها يسير على ما يرام، في حين أن تجمع عدد من أكواخ الصفيح في ناحية معيَّنة يصبح موضع مجموعة قضايا اجتماعية واقتصادية مثيرة للقلق.

هناك مقولات منتشرة حول صاحب البيت ذي الباب المفتوح والآخر ذي الباب المغلق، والأمر نفسه ينطبق على الزخرفة والزركشة وتصميم الباب.

حصانة البيت ورمزية بابه
في رواية بعنوان “نحن”، يصف الأديب الروسي زامياتن، بيتاً كل جدرانه من زجاج، أي إنها تسمح لمن هو في الخارج برؤية كل ما في الداخل. ولكن هذه الرواية تتطرَّق إلى مجتمع يعيش تحت سلطة فاشية، لا حرية للفرد فيها. ففي كل المجتمعات المستقرة، للبيت حرمة لا يجوز لأحد اختراقها، وكأنه دولة صغيرة مستقلة ذاتياً ضمن دولته الكبيرة، يحكمها رب العائلة.
جاء في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا، ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة النور، الآية 27 ). وفي هذا تعزيز لإحدى أبرز وظائف البيت، ألا وهي حماية قاطنيه وممتلكاتهم، التي لا يجوز حتى التطلع إليها من دون موافقة صاحبها.

لا يخلو بيت من باب، وقد لا يصح البيت بلا باب، فكلاهما سبب الآخر، فلا قيمة لباب لا يؤدي إلى بيت ولا قيمة لبيت بلا باب يحميه، وخير معبّر عن ذلك المثل الصيني “باب بلا بيت، تسكنه الريح”.

رواية “نحن”، للأديب الروسي زامياتن

وإذا كان البيت وسيلة حماية من الطبيعة ومن أعداء الخارج على اختلافهم، وفي الوقت عينه مكاناً للاستقرار والتماسك العائلي والاسترخاء والتصرف الحر، فإن باب البيت أفضل تعبير عن حراسة هاتين الحاجتين في كل الثقافات ولدى كافة الشعوب. فالباب هو المدخل إلى البيت ومجتمعه المصغّر، وهو منفذ سكان البيت إلى المجتمع الواسع. إنه أداة البيت الأولى والرئيسة للفصل بين الداخل والخارج، بين القواعد الاجتماعية العامة والحرية الشخصية، وبين التواصل الاجتماعي المفتوح بسلبياته وإيجابيّاته، وبين التواصل الخاص بين أفراد الأسرة.
لا يخلو بيت من باب، وقد لا يصح وصفه بالبيت من دون الباب، فكلاهما سبب الآخر، فلا قيمة لباب لا يؤدي إلى بيت ولا قيمة لبيت بلا باب يحميه، وخير معبّر عن ذلك المثل الصيني “باب بلا بيت، تسكنه الريح”. في كل الثقافات التقليدية تشتهر الأمثال والأقوال الشعبية التي تتناول الباب ورمزيته. فالباب الكبير يدلّ على كرم صاحب البيت وترحابه بزائريه. والباب الصغير الضيق يدل على الانطواء وشُح الضيافة. وهناك مقولات منتشرة حول صاحب البيت ذي الباب المفتوح والآخر ذي الباب المغلق، والأمر نفسه ينطبق على الزخرفة والزركشة وتصميم الباب. فما يتم تصويره على الباب يؤذن بنفسية أهل البيت وبالتالي يدلّل على مكنونات البيت نفسه. وبفضل عناصره المادية الوظيفية والرمزية يتحوّل الباب كمختصر للبيت إلى نظام دلالي بصري وفضائي تتزاوج فيه أنماط مختلفة من التعبير كالرسم والحفر والكتابة، ممّا يجعله يتمتّع ببلاغة خاصّة ترفعه إلى مستوى النص أو الخطاب الدال على هوية صاحبه. ففي البيوت النجدية التقليدية كما نراها في الدرعية التاريخية على سبيل المثال، تبدو الأبواب الخشبية كبيرة نسبياً، وذات زخارف تلتزم بأشكالها الهندسية المجرّدة بالتقاليد الفنية الإسلامية. وفي أعلى الباب، غالباً ما توجد كوة صغيرة عند مستوى الدور الأعلى، تسمح لصاحب البيت، أو للمرأة المحتشمة برؤية هوية الزائر أو التحدث إليه من الأعلى قبل فتح الباب له.


تطور البيوت عبر التاريخ

حتى الألف العاشر ق. م.
كان الإنسان يسكن في الكهوف وخيام مصنوعة من جلود الحيوانات.

1700 ق.م.
بناء البيوت في أوروبا الشمالية من أغصان الشجر المكسوة بالطين.

2000 ق.م.
بناء بيوت حجرية من دورين للأثرياء في بلاد ما بين النهرين.

400 ق.م.
اليونانيون يعيشون في بيوت من الطوب وذات أسقف مغطاة بالبلاط.

7000 ق.م.
بداية بناء البيوت بالطين في وادي السند، ولاحقاً في مصر.

100 ق.م.
ظهور الفيلّا الرومانية كبيت منفرد كبير محاط بحديقة.

1200م
الإقطاعيون الأوروبيون يسكنون في حصون مبنية بالحجارة.

1700م
الهولنديون يبلورون فكرة البيت المتوسط التي لا تزال قائمة حتى اليوم: غرفة جلوس، غرفة أو أكثر للنوم، زاوية للطبخ وتناول الطعام، ودورة مياه.

1540م
بفعل الاستقرار الاجتماعي، بدأ الأوروبيون يبنون بيوتاً مريحة أكثر مما هي دفاعية.

1900م
وصول الكهرباء إلى بيوت الأغنياء في أمريكا وأوروبا.

1680م
بدء التركيز على المفروشات ومحتويات البيت عند الطبقة الثرية في أوروبا.

1935م
المعماري الأمريكي فرانك لويد رايت يبني “بيت على النهر”، متخلياً تماماً عن الزخرف ومتناغم حتى أقصى حد ممكن مع محيطه، مؤسساً بذلك لقيم العمارة المعاصرة.


التحوُّلات التي قد تطرأ على بنائه

لو وضعنا جانباً قصور كبار الأثرياء وبيوت الصفيح التي يسكنها الفقراء، وتطلَّعنا إلى بيوت الغالبية العظمى من الطبقة المتوسطة، للاحظنا أنها تتوزَّع اليوم على نمطين مختلفين من ناحية البناء: البيوت المنفردة التي عندما تكون كبيرة ومحاطة بحديقة تُسمى تعظيماً “فيلا” (ومعربة: الفلة)، والشقق السكنية ضمن الأبنية متعدّدة الطبقات. وحال هذه البيوت اليوم هو نتيجة تطوُّر اجتماعي واقتصادي وتقني بدأ قبل آلاف السنين، وأيضاً نتيجة تبدل الاحتياجات والإمكانات المادية.
ومن دون الغوص في تاريخ العمارة المدوّن في آلاف الجلدات المتوفِّرة أينما كان لمن يشاء، نتوقَّف لبرهة أمام التحوُّلات التي قد تطرأ على بناء البيوت التي سيسكنها قريباً جيلنا أو الجيل التالي.
ففيما تبقى القصور الكبيرة كما كانت طوال التاريخ، محركاً لمخيلات المصممين وإبداعاتهم الفنية بالدرجة الأولى، وبيوت الصفيح قضية اجتماعية بالدرجة الأولى أيضاً، فإن بناء البيت الذي يُفترض فيه أن يكون “أفضل” مما كان، شهد في الآونة الأخيرة تحديات كثيرة أفضت إلى ما نسميه اليوم “البيوت الذكية”، التي تحكمها التكنولوجيا جزئياً أو كلياً، وتُدار عن طريق مجموعة من الأزرار وأجهزة التحكم عن بُعد والإنترنت. ولكن، أهذا هو نهاية المطاف؟
يرى المعماري السعودي الدكتور فهد السعيد، أن فن العمارة شبيه بالكائن الحي يتطوَّر مع تطور الثقافة، ويخضع لمتطلبات العصر، فمثلما نهضت العمارة الحديثة مع بداية القرن العشرين في ألمانيا مع تطوُّر الخرسانة والزجاج، فإنها مع نهاية الثمانينيات الميلادية قفزت قفزات متوالية بأفكار أسطورية، وكان ذلك في أمريكا وأوروبا. فتطوّر معها أسلوب ومفهوم التصميم المستقبلي وطرق البناء بحيث بات من الممكن أن تتَّخذ أشكال البيوت الخارجية طُرزاً مختلفة جذرياً عما نألفه اليوم، بفعل تقدُّم “العمارة التفكيكية”.

ولكن ثمَّة تحديات أخرى بدأت تُطل برأسها تهدِّد مجمل النظرة الحالية إلى البيت العصري، ومنها ما هو ثقافي بحت، يُعبِّر عنه المعماري رهيف فياض بقوله: “إن الممارسة المعمارية اليوم محكومة بالسيطرةِ المبالِغة “للهاي تك” عليها، من جهة، وبتأمين “غلاف” للمباني من جهة أُخرى، فيه من المشهدية والإبهارِ، ما يُخفِّف من سطوَة هذه السيطرة”. وبرأيه فإن الانتشار الحر والعشوائي للمباني البرجية في أَحشاء النسيج المديني طغى على المتبقِّي من نسيج القرن التاسع عشر في المدن… والتضاد هنا أساسي، بين الرؤى والتكنولوجيات المسمَّاة “كونيَّة”، وبين الثَّقافات المحلية الأصيلة. وعندما نضيف إلى ذلك جملة التحديات البارزة الأخرى مثل ترشيد استهلاك الطاقة والتواصل مع الطبيعة، يتسع المجال لتصوُّر البيت المستقبلي الذي بدأ يُطل برأسه، والمسمى “البيت السلبي”. والبيت السلبي، وهو بيئي، ظهرت فكرته عند مهندسين مهتمين بالحد من استهلاك الطاقة، وينطلق أيضاً من شُح المواد الأولية المرتقَب في العقود المقبلة. ففي رأي كثير من المهندسين والمعماريين أن زمن “التبجّح” بالأفكار الهندسية التكنولوجية الضخمة، أو ذات التصاميم المستوحاة من الخيال العلمي سيولي. ويرى بعض الباحثين أن هذا القطاع سوف يتيح، أو يفرض، توجهاً جديداً في بناء البيوت خلال السنوات العشرين المقبلة التي قد تشهد ولادةَ منتجات معمارية نابعة من علوم الأرض ومن المشاهد الطبيعية. تتكلّم بوضوح لغةَ عصر المجتمعات المتحررة من ربقة سلبيات التطوُّر التقني لتستفيد من إيجابيَّاته، وليكون العصر المقبل عصر البيئة السليمة تماماً.


بيت الله الحرام
وبيت المقدس

أطلَق اسم “بيت الله الحرام” على الكعبة المُشرَّفة، وجاء في القرآن الكريم:﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (سورة المائدة، الآية 97).

ويُطلَق “البيت الحرام” أيضاً على المسجد الحرام، والحرم المكيّ كله. ويُعدّ بيت الله الحرام أول بيت وُضِع للناس في الأرض لعبادة الله. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران، الآية 96).

بيت المقدس أو القدس وهي أول قبلةٍ اتخذها المسلمون وأقام فيها كثير من الأنبياء. وتُعدُّ القدس أقدم مدينة سُكنت منذ العصر الحجري الأول، حيث تمّ تأسيسها قبل 5000 سنة قبل الميلاد، على يد الكنعانيين، وسكن فيها اليبوسيون، وأطلقوا عليها أسماء مختلفة، ومنها: أورسالم، أو سالم إله السلام الكنعاني، ومدينة السلام.


في الشعر العربي
مادة فخر ومدح

لم يبخل الشعر العربي القديم، ولا الحديث، في تناول البيت خاصة أو المنزل والدار عموماً. وغالباً ما كان ذلك في إطار الحنين إلى مكان بات بعيداً أو زمن مضى. كما أن قصائد المدح أو الذم أو الوقوف على الأطلال تشير إلى البيت كأصل نشأ منه وفيه الشاعر المتفاخر بنفسه أو مادح الآخرين. والأمر نفسه ينطبق على الحطّ من قيمة البيت الذي نشأ فيه الآخرون عند ذمّهم وذمّ أصولهم. وفي مثل هذه القصائد غالباً ما يتم تناول البيت بمعنييه، المادي كمبنى وكموقع جغرافي، والمعنوي كبيت عزّ وشرف وكرم ونبالة وشجاعة. أما في قصائد الوقوف على الأطلال فالبيت هو أولاً مكان مادي له آثار متروكة أو مقبلة على الاندثار، وهو معنوي بما يؤدي إليه من تذكّر للأحباب والأصحاب والأقارب الذين تركوا المكان وارتحلوا إلى غيره. وهنا بعض الأمثلة:

ففي الوقوف على أطلال المنازل المُهدمة، كلنا نذكر مطلع مُعلَّقة امرىء القيس:
قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل

ومثله عند المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازل
أقفرت أنت وهن منك أواهل

أما في الحنين إلى المنزل القديم أو البعيد، فيقول أبو تمام:
كم منزلٍ في الأرض يألفُه الفتى
وحنينُــه أبــداً لأوّلِ منزلِ

ومثله عنترة بن شداد:
أحن إلى تلك المنازل كلما
غدا طائر في أيكة يترنم

وجميل بثينة:
إن المنازل هيّجت أطرابي
واستعجمت آياتها بجوابي

وفي مدح النسب ورفعة الشأن، يقول أبو العلاء المعرّي:
بَيتُ العُلى بيتُ قريضٍ، ولا
بُدّ من الكاسرِ والخارِم

وقوله أيضاً:
العلم يرفع بيتاً لا عماد له
والجهل يهدم بيت العز والشرف
والفرزدق:
إن الذي سمك السماء بنى لنا
بيتاً، دعائمه أعز وأطول

ومثله ابن الرومي:
فَهُنَّ من بيت نورٍ غير مطموس
بيتِ الحديث وبيتِ الفقه كم قَبَسٍ

واستمر استخدام البيت في إطار المدح حتى العصر الحديث، فنجد جبران خليل جبران يقول:
من بيت مجد فارقته فضمها
بيت كفيلة مجده الأدهار

والواقع أن صورة البيت في الشعر العربي تنوَّعت أكثر من ذلك، فكان بعضها مجرد أداة للتعبير عن إحساس قد لا تكون له أية علاقة بالبيت بمعناه الحرفي، كما هو الحال عند أبي العلاء المعرَّي على سبيل المثال، عندما عبّر عن تشاؤمه من الحياة ككل بقوله:
أعفى المنازل قبر يستراح به
وأفضل اللبس فيما أعلم الكفن

وطبعاً، هناك “بيت الشعر” المؤلف من صدر وعجز والمنظوم وفقاً لقافية معينة وعلى وقع بحور الشعر الخليلية. وقد سمي السطر الواحد من القصيدة “بيتاً” بسبب وجه الشبه مع البيت بمعناه الحرفي، لأن هذا السطر الكامل يضم الكلام كما يضم البيت كل أبنائه. ونذكر مما قاله حسان بن ثابت:
وإنّ أشعرَ بيتٍ أنتَ قائلهُ
بَيْتٌ يُقالُ، إذا أنشدتَهُ، صَدَقا


الحاضر دائماً في الرواية

ربما كان علينا أن نبدأ هنا في اتجاه معاكس للمألوف ونشير إلى حيثما غاب البيت عن الرواية. وفي هذا المجال لا تسعفنا الذاكرة إلا بتذكر سلسلة روايات التشويق التي كتبها الأمريكي دان براون مثل “شيفرة دافنشي” و”ملائكة وشياطين” وغيرهما..ففي أعمال هذا الكاتب تـدور أحـداث الروايات كلها خلال يوم واحد وتتخذ من عدة عواصم مسرحاً لكل منها، وبالتالي، لا وقت للنوم والعودة إلى البيت لتناول الطعام والعيش فيه. وهكذا غابت البيوت غياباً تاماً عن أعماله. وفي ما عداه لا نذكر عملاً روائياً واحداً لا بيت فيه.
فالروايــات على اختــلاف تواريخهــا وجنسيــات كتّابها تعجّ بمكنونات وتعابير لا حصر لها عن البيت وتأثيره الكبير على الكاتب نفسه وعلى الشخصيات الروائية.

في رواية “بقايا النهار” للروائيّ كازويو أيشيغورو، منح الكاتب المكان وهو هنا “دارلينغتون هول” دور البطولة، حتّى يُخيَّل للقارئ في البدء أن المكان هو شخصية من شخصيات الرواية، كما هو الحال مع رئيس الخدم السيّد ستيفنز. فعمد الروائي الداهية إلى إرسال السيد ستيفنز في رحلة دامت أياماً عبر الريف الإنجليزي، وأثناء تفكيكه المطرد لشخصية كبير الخدَم، كان دارلينغتون هول جالساً في مقعد الراكب جنباً إلى جنب مع السيد ستيفنز، الذي كلما ابتعد في رحلته، أدركنا بالكامل أن الشخص الذي يُرافقه ما هو إلا منزل إنجليزي ضخم، ضمّ أحداثاً عالمية كثيرة في زمني الحرب والسلم.

وتتحد الروائية ميلاني هوبسون في روايتها “كانيبالز في الصيف” إلى بيتها كما لو أنه بطل روايتها. فمنزل بلاكفورد كان المنزل الذي سكنت فيه الكاتبة في مراهقتها، ولم يكن البيت الذي ردَّ الاعتبار لساكنيه بعد معاناة طويلة فحسب، بل كان المكان الذي جعل العائلة تعتقد فعلاً أنّ كل شيء في الخارج هو مؤقَّت.
وتعيش “أيميرنس” في شقّة أطلقت عليها الروائيّة ماغدا سزابو اسم “المدينة المحرّمة” في روايتهــا “الباب”. فكانــت تخرج من شقتّها للقيام بأعمال مختلفة وتعود بسرعــة. ولم تكن تسمــح لأحد بالدخول أو حتى إلقاء نظرة على داخل الشقة، حيث أبقت النوافذ محكمة الإغلاق.

تدور أحداث رواية “الغريب الصغير” لسارة واترز في إنجلترا، بعد الحرب العالميّة الثانية. ويقبع بيت العائلة في محور الرواية. فثمَّة عائلة مكوّنة من والدة وابنين اثنين تسكن في “المئة” وهو اسم البيت، وهو عبارة عن ردهة واحدة داخل القصر، بينما يتدهور باقي القصر ويتهـدّم من حولهـم شيئاً فشيئاً. وتلعب الباحات المئة التي تبثّ فيه الحياة يوماً بعد يوم دور الحاقد والمؤذي في حياة هذه العائلة.

أما “البيت المائل” أو “البيت الأعوج” فهو عنوان رواية بوليسية من تأليف الكاتبة الإنجليزية أجاثا كريستي. نُشِرَت لأول مرَّة في عام 1949م. وقد كتبت الروائية المشهورة عدداً كبيراً من الروايات البوليسية ذات الحبكة “التحقيقية” والتي تدور أحداثها داخل البيوت وبين الغرف.

هناك أيضاً رواية “البيت” للروائية الأمريكية دانيال ستيل. بطلة الرواية محامية لا تهتم إلا بعملها، ثم تتلقى هدية من عميل لديها بعد وفاته، هي عبارة عن مبلغ كبير من المال ورسالة بأن تستخدم المال في عمل رائع ومثير. فتشتري منزلاً قديماً وتستعين بمهندس معماري لترميمه… وتكتشف قصته التاريخية شيئاً فشيئاً أثناء الترميم.

و”البيت الموحش”، رواية للأديب الإنجليزي تشارلز ديكنز، نُشرت في العام 1853م. يَعُدُّها بعض النقاد من أفضل أعمال المؤلف. بطلتها فتاة تدعى استير سومرسون، تكتشف حقيقة والديها في سلسلة من الأحداث التي تشمل القتل والخيانة والحب والخوف والمرض تتسلسل أحداث الرواية.

وفي رواية “البيت الصامت” لأورهان باموق التي يعود تاريخ كتابتها إلى مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، يسعى الكاتب التركي الحائز جائزة نوبل للآداب، إلى توثيق تاريخ بلاده خلال القرن العشرين عبر ثلاثة أجيال، بدءاً من انهيار السلطة العثمانية في بدايات القرن الماضي، وما رافق ذلك من تحوّلات جذرية مهَّدت لظهور مصطفى كمال أتاتورك، ووصولاً إلى فترة الانقلابات العسكرية.

بعد رحيل الأديبة اللبنانية إميلي نصرالله افتتح في قرية الكفير بجنوب لبنان “بيت طيور أيلول” وهو منزل طفولتها الذي تحوّل إلى مزار ثقافي وملتقى للكُتَّاب والأدباء. وصدرت روايتهــا “البيت” تزامناً مع افتتاح هذا المركز. وقد حضرت في روايات نصرالله الكثير من الانفعالات “البيتية”، التي تتركَّز حول الحنين إلى الطفولة في مرابع القرية.

في العام 2018 صدرت رواية الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عن البيت الأبيض. وكتب كلينتون روايته الأولى، “الرئيس مفقود” بالاشتراك مع جيمس باترسون. وأراد كلينتون في هذه الرواية نشر تفاصيل لا يمكن لأي شخص سوى الرئيس الأمريكي معرفتها. إلا أن النقاد لم يستقبلوا هذه الرواية بالترحاب، بل واعتبروها فاشلة، رغم أنها تصدَّرت لائحة الأكثر مبيعـاً حين نشرها.

“البيت الأندلسي”، رواية للجزائري واسيني الأعرج. صدرت الرواية في عام 2010م عن منشورات الجمل في بيروت. ودخلت في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية لعام 2011م، المعروفة باسم “جائزة بوكر العربية”. يروي الكاتب حكاية الفلسطينيين مجسّداً زمن الخروج الكبير، ومسجّلا عذاباتهم، وبؤسهم وسعيهم لاستعادة كرامتهم.

تبيّن دراسة “صورة البيت في الرواية النسوية الفلسطينية”، التي أجراها عدد من الباحثين الفلسطينيين، ما للبيت من أهمية للإنسان عموماً، وللفلسطيني المنتزع من بيته عنّوة، خصوصاً. فهو المأوى له يشكِّل كينونته، وبدونه يعيش مشرداً، لذا حرص على الحفاظ عليه والتمسك به إلى آخر رمق في حياته، إلا أن هنالك عوامل دعته إلى الابتعاد عنه منها: الظروف الاجتماعية أو الأسباب القسرية، فقد سعى الاحتلال إلى اقتلاعه من جذوره، ونفيه إلى أماكن أخرى، ورغم ذلك بقي البيت يسكن فيه أينما حلَّ وارتحل؛ فصورته رسخت في ذهنه، لا تغيب عنه أبداً، وكلَّما مرَّ شريط الذكريات من أمامه يحنُّ إليه، ويبقى حلم العودة ملازماً له.


في اللوحة
نوعان من البيوت: منها ما هو محور ومنها ما يكمل سرد الموضوع

حتى اليوم، لا يزال الهولنديون يقولون “بيت يان ستين” للإشارة إلى أي مكان تعمه الفوضى وسوء التنظيم. ويان ستين هو رسَّام هولندي عاش في القرن السابع عشر، وتركزت أعماله على موضوعين رئيسين: الاحتفالات القروية ودواخل بيوت الطبقة الوسطى والفقراء. ولسبب غامض، كان هذا الرسَّام يستمتع بمشاهد الفوضى التي تعمّ هذه البيوت المسكونة من عدد كبير من الأشخاص، ومن أشهرها لوحته “البيت المتفكك” 1663م (The Dissolute Household) التي استخدم فيها نفسه وبعض أقربائه كنماذج، فكانت وراء رواج القول “بيت يان ستين”.

لماذا أحب الهولنديون بيوتهم؟
في الحديث عن حضور البيت في فن الرسم، يجب التطلع أولاً صوب بلاد الفلاندر (هولندا وبلجيكا). حيث لم يكن ستين أول من رسم دواخل البيوت كموضوعات رئيسة. فمنذ النصف الأول من القرن الخامس عشر، كان جان فان إيك قد رسم أول لوحة ذات واقعية شديدة لداخل بيت، ولكن هذا البيت كان مسرحاً لحدث، وهو “زواج أرنولفيني” 1434م، فبإلقاء نظرة شاملة على تاريخ الرسم في أوروبا، يمكن للمرء أن يلاحظ بسرعة أن الرسامين الشماليين في هولندا وبلجيكا كانوا أكثر انطواء في منازلهم من نظرائهم في فرنسا وإيطاليا. وفي تفسير ذلك، يرى مؤرِّخو الفن أن السبب يعود إلى تحالف عاملين: أولهما الضوء الخارجي الشاحب خلال أشهر عديدة من السنة في المناطق الشمالية، ولكن تسلله من النوافذ إلى الدواخل المعتمة يولّد تناقضاً شديداً بين الضوء والظل يستسيغ الرسامون التعامل معه. وثانيهما، الفلسفة البروتستانتية التي حرّمت رسم الموضوعات الدينية لتزيين المعابد بها، فانتصر شكل من أشكال الالتفات إلى الواقعية، كانت دواخل البيوت من موضوعاتها وحاضناتها الرئيسة.
تطول قائمة الفنانين الهولنديين التي تدعم صحة هذه الملاحظة. من فيرمير في القرن السابع عشر ومعاصره جيرار تير بورش، مروراً برامبرانت، وصولاً إلى فان غوخ في القرن التاسع عشر.
فأشهر لوحات فيرمير هي تلك التي تمثل أناساً داخل بيوتهم، من “امرأة تصب الحليب” إلى درس الموسيقى، حيث أهم ما في هذه الأعمال الضوء الداخلي المتسلل من النوافذ. وإذا كنا نَعُدُّ رامبرانت رساماً عبقرياً، فمرد ذلك اللوحات التي رسمها بعد وفاة زوجته وأولاده الثلاثة، فانطوى في بيته ليرسم صوراً شخصية على ضوء قنديل أو قناديل داخلية. وحتى فان غوخ الذي خرج إلى الطبيعة المشمسة في فرنسا، استوقفه “البيت الأصفر” الذي استأجر فيه أربع غرف عام 1888م، فرسمه كما رسم غرفة نومه بعنوان “غرفة نوم في أرل”، حيث لا نرى أي حدث، لأن مفروشات الغرفة وتوزعها هي الموضوع الجمالي: سرير وكرسيان ومنضدة صغيرة وبضع لوحات على الجدار. أما في وسط أوروبا وجنوبها فيختلف الحال.

البيت يكمل السرد
في عام 1518م، رسم الألماني أمبروزيوس هولباين “صورة شاب” داخل قصره (نجهل هويته). وللدلالة على مكانة هذا الشاب الرفيعة، لجأ الفنان إلى إخبارنا ذلك بواسطة عمارة مسكنه. فسقف الغرفة يعود إلى بداية القرن السادس عشر، أي إنه حديث (آنذاك)، ولكنَّ هناك بنائين ملاصقين لهذا المسكن، أقربهما يعود بطرازه إلى القرن الرابع عشر، والأبعد هو برج مستدير من القرن الثالث عشر. ومن خلال هذا، يقول لنا الرسام إن هذا الشاب من سلالة عريقة يعود تاريخها إلى ما قبل ثلاثة قرون من الزمن. هذه واحدة من بدايات منهج فني في رسم الشخصيات استمر من القرن السادس عشر وحتى يومنا هذا، ويقوم على رسم الشخصية في بيته أو قصره أو كوخه، واستخدام ما يحيط به من أشياء ومفروشات للدلالة على مستواه الاجتماعي أو اهتماماته وأهميته. وتساوت في ذلك صور الملوك في قصورهم والعلماء في غرف الجلوس في بيوتهم المتوسطة.

فعندما رسم هياسنت ريغو صورة لويس الرابع عشر في ملابس التتويج داخل قصره، سعى إلى تعظيم شخصية الملك ومهابته، ليس من خلال تعابير وجهه أو شخصيته الداخلية، بل من خلال الأبهة المحيطة به. فكل ما نراه في هذه اللوحة من أشياء هي غالية الثمن، مخمل الستائر، عامود الغرانيت، الذهب، الفرو.. إلخ. فأسس بذلك نمطاً من التعبير راج تقليده في كل بلاطات أوروبا.
ولم تخلُ هذه الفئة من الأعمال من لمسات تزوير دواخل هذه القصور. ففي واحدة من اللوحات التي تمثل الإمبراطورية الروسية كاترين الثانية، أضاف الرسَّام مجموعة منحوتات متخيلة ترمز إلى العدل والرخاء غير موجودة في الواقع. كما فعل الأمر نفسه الرسَّام فرانسوا بوشيه في القرن الثامن عشر عندما رسم المركيزة دي بومبادور وبجانبها مجموعة كتب وكرة أرضية للدلالة على ثقافتها الرفيعة، علماً أن الثقافة لم تكن من أهم ميّزات المركيزة.
وعلى مستوى اجتماعي أدنى، ليس في لوحة فيرمير “عالم الفلك” 1668م، ما يدل على شخصية الرجل الظاهر في الصورة غير الأشياء التي تحيط به في بيته: كرة سماوية وبيكار على الطاولة، وخريطة للنجوم على الخزانة، وبعض الكتب. واستمر هذا التقليد حتى القرن التاسع عشر. ففي “صورة إميل زولا” التي رسمها مانيه عام 1868م، على سبيل المثال، اختار الرسام أن يرسم صديقه الأديب في غرفته الخاصة، حيث توجد أشياء كثيرة تدل على شخصيته وذائقته الفنية والأدبية، ومنها الرسم التحضيري للوحة “أولمبيا” التي رسمها مانيه نفسه، وبقربها لبعض الرسوم اليابانية التي راج الإعجاب بها آنذاك في صفوف النخبة الفرنسية، إضافة إلى الكتب والدفاتر طبعاً.
أما في العصر الحديث، فيمكن القول إن البيت فقد سكانه، وتحوَّل في معظم الأحيان إلى وسيلة لإلقاء خطاب ليس له علاقة بالبيت بمفهومه التقليدي. فمجموعة البيوت التي رسمها السوريالي رينيه ماغريت ما بين عامي 1947 و1965م، ونراها مضاءة من الداخل كما لو كانت خلال الليل ولكنها تحت سماء نهارية مشمسة، هي مجرد حجة للتلاعب بالواقع، بدليل أن الرسَّام سمّى هذه اللوحات “إمبراطورية الضوء”. الأمر نفسه ينطبق على مثل آخر، وهو الرسم الطباعي الذي صنعه الفنان موريتس إيشر بعنوان “جاذبية”، ويمثل داخل بيت فيه مجموعة سلالم صاعدة ونازلة في كل الاتجاهات لتعود وتلتقي كلها ببعضها.. فالمهم هنا ليس البيت غير الواقعي، بل اللعبة الغرافيكية التي برع بها هذا الفنان.

عربياً.. حنين إلى بيوت الآخرين
وفي البلاد العربية، حضرت البيوت في أعمال عشرات أو مئات الرسَّامين، وبعضهم تخصَّص في ذلك. فكما رسم البعض البيوت الطينية في الجزيرة العربية، رسم اللبنانيون البيوت المسقوفة بالقرميد الأحمر وسط الطبيعة الجبلية الخضراء، ورسم الشاميون باحات البيوت التقليدية وجدرانها المزينة بالأبلق. ولكن اللافت أن السمة العامة لحضور البيت في اللوحة العربية هو اقتصاره في معظم الأحيان على التراث المعماري المهدَّد بالزوال. فمعظم هذه البيوت ليست بيوت الرسَّامين، ولكنها استوقفتهم لما فيها من دلالات على ماضٍ مثير للحنين أو مهدَّد بالزوال. ولعل خير مثال على ذلك هو في تجربة التشكيليتين المصريتين جاذبية سري، وتحية حليم.
فخلال بناء السد العالي، تكفّلت وزارة الثقافة المصرية عام 1962م بإرسال فنانين تشكيليين إلى النوبة لتصوير بيوتها قبل أن تغمرها مياه النيل. وكانت “جاذبية سري” من بين هؤلاء، فرسمت بيوتاً متلاصقة تمثل عالماً ينبض بالحياة والعلاقات الدافئة.
وبعد هزيمة يونيو 1967م، رسمت سري البيوت ووجوه الناس وكأنها من حجارة ذات مشاعر، أو كائنات ممسوخة. وطغت على البيوت الملامح الإنسانية وتحوَّل الناس إلى بيوت متراصة في جوار بعضها بعضاً.
وفي المشروع نفسه، أمضت الفنانة تحية حليم مدة شهر على مركب في النيل تتجوَّل بين البيوت النوبية، فحفظــت المشهــد النوبـي وتقاليــد السكان وملابسهم التقليدية. ورسمت التفاصيل الصغيرة في البيوت، كالنوافذ والأصص الفخارية، والعمارة الطينية، إضافة إلى بعض مشاهد الحياة اليومية.


أقوال في البيت

• “البيت هو المكان الذي يبدأ منه الفرد” تـي أس إليوت
• “البيت سيظل أفضل الأماكن على كوكب الأرض”  الكاتب شانينج بولوك
• “البيت يحمي أحلام اليقظة، والحالم، ويتيح للإنسان أن يحلم بهدوء.. البيت هو واحد من أهم العوامل التي تدمج أفكار وذكريات وأحلام الإنسانية.. البيت جسد وروح، وهو عالم الإنسان الأول” الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار
• “البيت يجب أن يكون أعظم كنز نحصل عليه في حياتنا” المعماري السويسري لوكوربوزييه
• “ما أن يدركني المساء بعيداً عن البيت حتى تنتابني حالة الذعر الغامض. أي مكان خارج البيت هو الغربة، وأحياناً المنفى، (إلى أين ستبعُدُ عن البيت/ الأرضُ كرويةٌ/ والطريقُ دائريةٌ/ والرواياتُ تدورُ/ وليس لاسمك معنى/ في غير دارك)”. الشاعر البحريني قاسم حداد
• “البيت هو المأوى من العواصف – جميع أنواع العواصف”  الكاتب وليام بينيت
• “يخفق قلب البيت بفخر قائلاً: “آمنٌ، آمنٌ، آمن”. يتنهد قائلاً: “مرت سنوات طوال” ترد هامسة “وجدتَني ثانية.. نائمةً هنا.. في الحديقة أقرأ.. أضحك..” الكاتبة فيرجينيا وولف
• “الباب يكسر الفضاء، يجزئه، يمنع التنافذ، يفرض القطع: من جهة يوجد أنا ومسكني الخاص، الشخصي، بيتي هو الفضاء المكتظ بممتلكاتي: سريري، بساطي، طاولتي، آلتي الكاتبة، كتبي.. لا يمكن العبور من واحد لآخر، لابد من اجتياز العتبة، لا بد من الاستئذان، لابد من التواصل..” المفكر الفرنسي جورج بيريك
• “كرم الأخلاق يبدأ في البيت، ولكن لا يجب أن ينتهي عنده” المؤرخ توماس فوللر
• “على المعماري أن يعرف جيداً الناس الذين سيسكنون في البيت الذي سيبنيه. وانطلاقاً من احتياجاتهم، يتوالى الباقي تباعاً” المعماري العالمي لودفيغ ماس فان در روه
• “المدينة تشبه البيت الكبير، والبيت فيها يصبح مدينة صغيرة” الكاتب الإيطالي ليون باتيستا ألبيرتي

ومن الأمثلة الشعبية نذكر:
• “نار البيت تُطفأ برماد البيت” (مثل باسكي)
• “البيت الذي يبنى حسب أذواق الجميع يبقى من دون سقف” (مثل سويدي)
• “صاحب البيت أدرى بالذي فيه” (مثل عربي)
• “البيت الذي تدخله الشمس لا يدخله الطبيب” (مثل إنجليزي)
• “في بيت النملة تصبح قطرة الماء طوفاناً” (مثل فارسي)
• “العودة إلى البيت هي الرحلة الأفضل دائماً” (مثل أمريكي)


البيت، المسكن، الدار
اختلاف المعاني لغوياً

في اللغة العربية المحكية، لا مرادف ينافس مفردة “البيت”، ولكننا نلاحظ أن في الفصحى المكتوبة، كثيراً ما تحل مفردة “المنزل” محل “البيت” وكأنها مرادف مطابق تماماً. ولكثرة استخدام هاتين المفردتين بالمعنى نفسه، بات الأمر مقبولاً. ولكنَّ للنحويين رأياً آخر. فقد جاء في القاموس الحر ما يأتي:

البَيْت: هو المكان الذي يعتاد الإنسان أن يبيت فيه، أي يقضي الليل نام أم لَمْ ينم. ولا يشترط فيه أن يكون مبنياً ولكن يشترط أن يكون لعائلة صغيرة واحدة لا يشاركهم فيه أحد. قد يكون خيمة أو شقَّة أو داراً أو كهفاً أو حتى غرفة في دار أو مأوى أو نزل.

المَسْكَن: هو حيث يسكن الإنسان، لكن لا يشترط أن يكــون من يبيـت فيه مرتبط بالساكنين الآخرين. فكل بيت مسكن ولكن ليس كل مسكن بيت. أي إن أماكن إقامة العمال أو الطلاب في مجمّع ما، هي مساكن وليست بيوتاً.

الدَار: يشترط في الدار أن تكون مبنية. ويشار بها إلى الأرض والبناء معاً، بخلاف البيت والمسكن الذي يشار فيه إلى الفضاء الذي يشغله الساكن. الدار قد يكون فيها بيت أو أكثر، وقد لا يكون فيها بيت إطلاقاً.

المنزل: هو ما كان فيه أكثر من بيت سواء أكانت البيــوت مرتبطــة ببعض ببناء واحد كالعمارة السكنية والدار، أو كانت البيوت متفرقة كمجمع صغير.

ومن بعض ما جاء في “معجم المعاني الجامع” نذكر:
. بَيَّتَ: (فعل)
. بيَّتَ يبيِّت، تَبْييتاً، فهو مُبَيِّت، والمفعول مُبَيَّت
. بَيَّتَ عَمَلَهُ: عَمِلَهُ لَيْلاً
. بَيَّتَ البَيْتَ: بَنَاهُ
. بَيَّتَ العَدُوُّ: هَجَمَ لَيْلاً فَجْأَةً
. بيَّت الضَّيفَ وغيرَه: أباته؛ جعله يقضي الليل عنده
. بيَّت الأمرَ: دَبَّرَه ليلاً أو في خفاء
. بيَّت الرَّأيَ: أطال الفكرَ فيه وأحكمه
. بَيت: (اسم)
. الجمع: أبيات، وبيُوت، جمع الجمع بيوتات
. بيت الرَّجل: امرأته وعياله
. بَيْتُ الصَّلاَةِ: المسجد
. بَيْتُ القصيد: الأمر المهم، خلاصة الموضوع
. البيتُ: القبر


سينما البيوت ذات المعاني الكثيرة

ما ورد عن البيت في الرواية ينطبق بشكل كامل على حضور البيت في السينما. وحتى لو تركنا جانباً حضور البيت كمجرد مسرح لمجرى الأحداث، وتطلعنا إلى الأفلام التي كان البيت موضوعها المباشر، لوجدنا أيضاً تلوّناً يصعب حصره، من الدراما والكوميديا إلى التشويق.

بين الدراما والكوميديا
في عام 1993م، ظهر على الشاشات فِلْم “بيت خاص بنا”، من إخراج توني بيل وبطولة كاتي بايتس الحائزة جائزة الأوسكار. يروي هذا الفلم في دقائقه الأولى قصة أرملة تعيل بمفردها ستة أبناء، وتقرِّر الانتقال من المدينة للعيش في الريف الأصلح لتربية أبنائها. ومن ثم يستعرض الفلم في قسمه الأكبر الكفاح المرير الذي تعانيه هذه المرأة الفقيرة جداً لإكمال بناء ورشة بيت خشبي اشترتها، ومحاولات استغلال فقرها، وصداماتها مع أولادها.. وعندما يكتمل بناء البيت بعد جهد جهيد، يقرِّر أحد الأبناء الصغار حرق دورة المياه الخشبية القديمة، التي ترمز إلى صلف العيش سابقاً، فتمتد النار إلى البيت الجديد وتلتهمه. وفي مشهد يعصر القلب تجمع الأم عائلتها ويقف الجميع يتفرجون على النار تلتهم ما تبقى منه. وعلى الطرف الآخر من هذه الدراما، نجد البيت محوراً لكوميديا، كما هو حال فِلْم “وحيداً في البيت” (1990م)، الذي يدور حول حياة طفل (لعب دوره ماكولي كولكين)، نسيه أهله في البيت عند سفرهم، واضطر إلى الدفاع عن بيته ضد بعض اللصوص.

حتى جوار البيت
كما أن موقع البيت وما يُطل عليه كان محور أفلام عديدة، من أشهرها رائعة ألفريد هيتشكوك “نافذة خلفية” (1954م)، الحائز أربعة جوائز أوسكار، ومن بطولة غريس كيلي وجيمس ستيوارتن الذي يدور حول رؤية جريمة من خلال المراقبة الشبه المستمرة لبيت مجاور. جوار البيت هذا، كان أيضاً محور فِلْم صيني عُرض على شاشات هونغ كونغ خلال العام الماضي تحت عنوان “بيت ذو إطلالة على منظر”، ويروي قصة عائلة تعاني من اضطرابات عديدة، فتنتقل إلى الإقامة في بيت يُطل على المحيط “لأن ذلك يساعدها على تجاوز الاضطرابات النفسية. ولكن ذات يوم ترتفع لوحة إعلانية ضخمة فوق أحد المباني المجاورة، تحجب المنظر. فيبدأ صراع أهل البيت مع اللوحة وصاحبها. أما فِلْم “الإجازة” (2006م)، الذي قامت ببطولته كايت ونسلت وكاميرون دياز، فيروي قصة امرأتين واحدة تعيش في لوس أنجلس بأمريكا، وأخرى تعيش في الريف الإنجليزي، وتقرِّران تبادل بيتيهما خلال إجازة الصيف. ورغم أن المرأتين في السن نفسها تقريباً ومن المستوى الاجتماعي نفسه، فإن بيتيهما يختلفان تماماً عن بعضهما. فبيت الأمريكية عصري ذو جدران زجاجية عريضة ومفروشات حديثة، أما بيت الإنجليزية فصغير ومنغلق على نفسه، وكل ما في البيتين يعكس بصورة واضحة اختلاف نمطي العيش في المكانين، واختلاف الذائقة الفنية أيضاً. ويبقى المسلسل الدرامي التلفزيوني “بيت صغير على المرج” الذي أخرجه ليو بن، وبدأ عرضه أولاً في أمريكا عام 1974م، واستمر لمدة 9 سنوات، من أشهر الأعمال العالمية التي تناولت قضايا أسرة تعيش في بيت واحد.

ومن السينما العربية
ومن السينما العربية يمكننا أن نشير إلى ثلاثية نجيب محفوظ: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، التي أخرجها إلى السينما حسن الإمام، ومعظم تفاصيلها تدور في بيت “السيد أحمد عبدالجواد”، وهو عالم قائم بذاته ويمثل اجتماع الأسرة وتقاليدها، ويتناول بكثير من التفصيل التصميم السائد في العمارة، والأثاث المنزلي والعلاقات الاجتماعية. ويحضر البيت في السينما العربية رمزاً للوطن، كما هو الحال في فِلْم “في بيتنا رجل” (1961م)، الذي كتب قصته الروائي إحسان عبدالقدوس وأخرجه هنري بركات، وبطولة عمر الشريف وزبيدة ثروت ورشدي أباظة, ويتناول ثيمة الوطنية والسياسة إلا أن البيت يحيل إلى الوطن، والدخيل إليه ترميز للمحتل.
أما البيت بوصفه بيئة تربوية، فنراه في فِلْم “أنا وبناتي” الذي كتبه وأخرجه حسين المهندس، ويحكي قصة رجل أرمل ومحافظ في تربيته بناته الأربع. وعندما تضطر البنات إلى النزول إلى سوق العمل، يكشف الفلم الآثار السلبية التي تنشأ عن التربية القاسية في بيت الأسرة. وفي لحظة درامية مشحونة بالشجن تصدح المطربة فايزة أحمد بالأغنية التي أصبحت تشكل حنيناً جارفاً لكل من يسمعها، ويتذكر البيت الذي تربى ونشأ فيه “بيت العز يا بيتنا”.
وكان نصيب الأفلام التي تعالج قضايا اجتماعية درامية كبيراً في السينما المصرية، كفلم “بيت الكوامل” (1986م)، الذي يحكي معاناة ساكني بيت كبير تقرر هدمه وفلم “بيت القاصرات” (1984م)، وكذلك فلم “بيت الطاعـة” (1953م)، من تأليف وإخراج وبطولة يوسف وهبي، ويتناول خلافات زوجين وصلت إلى القضاء الذي يحكم لصالح الزوج وقد دخلت الزوجة في حكم طاعة زوجها وطلبت إلى بيت الطاعة.

البيوت المسكونة بالأرواح
أما الطائفة الكبرى من الأفلام التي تتمحور حول البيت، بحيث لا تغادره الكاميرا إلا لماماً في البداية والنهاية، فهي أفلام البيوت المسكونة بالأرواح التي تشكِّل العدد الأكبر من كل ما أنتجته السينما من أفلام الرعب والتشويق. وقائمة هذه الأفلام تطول إلى ما لا نهاية. غير أن معظمها، إن لم نقل كلها، يدور على وصول عائلة للإقامة في بيت قديم، وما تلبث أن تلاحظ بعض الضوضاء أو الحركة ليلاً، ثم تتصاعد المواجهة بينها وبين أرواح الموتى التي لم تغادر المكان. وغالباً ما يكون مركز الشر في فضاءات من البيت لا تحتاجها العائلة مثل القبو المظلم أو العلية المهجورة منذ زمن طويل.

تصميم البيت السينمائي.. اختصاص
بتضخم الموازنات المخصَّصة لصناعة الأفلام، لم يعد المخرجون يبحثون عن بيوت تلائم المشاهد المراد تصويرها، بل صاروا يبنون بيوتاً، أو أجزاءً منها، خاصة بهذه المشاهد. فبيت رجل المافيا، هو غير بين الكاتب، وبيت ابن الطبقة المتوسطة يجب أن يعكس توسط أحواله.. فصار تصميم البيوت تخصّصاً ومهنة قائمة بحد ذاتها. وعلى المصمم أن يقرأ السيناريو جيداً ليبني الديكور الملائم الذي يتناغم ليس فقط مع شخصية ساكنه، بل أيضاً مع المزاج العام الذي يسود الفلم، كما أن عليه أن يحظى بموافقة المخرج على أدق التفاصيل التي تظهر في البيت عند التصوير. ولذا، يمكننا أن نقول إن البيوت كما تظهر في السينما أينما كان في العالم، تنقل إلينا صورة صادقة إلى حد كبير لنمط العيش في هذه الثقافة أو تلك، سواء أكان ذلك في بيوت مهراجات الهند وفقرائها كما تظهر في السينما الهندية، أم بيوت أثرياء وول ستريت والزنوج في السينما الأمريكية.


مقالات ذات صلة

البركان هو أكثر ما في الطبيعــة إثارة للرهبة. فقد طوّع الإنسان كثيراً من عناصر الطبيعة، وتمكَّن من تغيير مجاري الأنهار، وأقام السدود في وجه البحار، ووصل بعض البحــار ببعضها، وأزال غابات، واخترق الجبال بالأنفاق، ولكنه بقي أمام البراكين مكتوف اليدين، وبلا تصرُّف أمام ثوراتها سوى الابتعـاد عنها، درءاً لغضبها. وعلى الرغم من أن العلم عرف […]

الوجه هو هوية وأداة حوار، وواجهة إطلالتنا على العالم وتعرّف العالم علينا. إنه الهوية التي تميّز كل فرد على حدة عن كل الآخرين. وله القدرة على أن يتحدث بمختلف اللغات، حتى من دون أن يصدر صوتاً. وهو إلى حدٍّ كبير “مُختزل” الفرد بكليته أمام العالم. أبيض، أسمر، أصفر، أحمر.. الوجه يبقى واحداً، وقد شغل ولا […]

بُكاهُ عَلى ما في الضَميرِ دَليلُ   وَلَكِنَّ مَولاهُ عَلَيهِ بَخيلُابن المعتز قد يكون الضمير وسادة من حرير كما وصفه البعض، وقد يكون أيضاً وسادة من شوك. قيل كثيرٌ في دوره وأهميته في حياة الإنسان، حتى إن هناك من وضعه في مرتبة أعلى من القانون، ووضع إملاءاته فوق الواجبات. إنه غير مرئي ولا ملموس، ولكنه […]


0 تعليقات على “البيت… بناءٌ وقيمة”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *