مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
سبتمبر - أكتوبر 2023

البصيرة.. المقدرة الذهنية التي شغلت العالم


فريق التحرير

البصيرة هي إحدى أقوى الأدوات المتاحة لنا كبشر لمساعدتنا على تشكيل المستقبل والتقدم نحوه بثقة وثبات. ويمكن تشبيه هذه القدرة على التفكير في المستقبل بآلة الزمن العقلية التي تحمل وجهين اثنين: تمثيل عقلي وحسِّي لأشياء لم تحدث بعد أو إحساس بما قد يكون أو بما قد يأتي، وذاكرة تكون بمنزلة أساس ومنطلق لتصور مستقبل غير منظور. ومنذ العصور القديمة، عندما اكتسبت البشرية القدرة على تصوُّر المستقبل، استطاعت أن تغير مسار الجنس البشري، وأعطت لأسلافنا ميزة قيِّمة في صراعهم من أجل البقاء. وعلى الرغم من أن البصيرة البشرية لن تكون أبدًا صائبة مائة في المائة، فإننا بحاجة دائمًا إلى تصويبها وتحصينها بالمسؤولية الأخلاقية والتعلم من أخطائنا كي نستطيع الإبحار في المستقبل الذي يبدو مضطربًا.

في قصة الأطفال التي تحمل العنوان “من خلال الزجاج” للكاتب الإنجليزي لويس كارول، تتحلى “الملكة الحمراء” بقدرة على تذكُّر المستقبل عوضًا عن الماضي؛ مما يجعلها فكرة غريبة جدًا، لا سيما أننا عادة ما ننظر إلى الوقت كمسار خطي يتجه دائمًا إلى الأمام، وأن الذاكرة لا بدَّ أن تكون متعلقة بالماضي.

ومع ذلك فهي فكرة ذات بُعد نظري يستحق التوقف عنده، خاصة مع ما يخبرنا به العلم المعرفي الحديث عن مدى مرونة تجربتنا مع الزمن.

فعلى الرغم من أننا قد لا نكون قادرين على تذكُّر المستقبل، كما تفعل “الملكة الحمراء”، فإن علماء النفس يتحدثون عن إمكانية تصوُّر المستقبل من خلال قدرة بشرية فريدة تسمَّى البصيرة أو السفر العقلي عبر الزمن. ويصف علماء النفس البصيرة بأنها جزءٌ من وعي الفرد بوجوده المتعدي لزمن بعينه، وهو ما يمكِّننا من استرجاع ما حدث في الماضي وتصوُّر أحداث مستقبلية بشكل مسبق؛ سواء بسواء. ولا يتعلق الأمر بمعرفة أن شيئًا ما قد حدث أو سيحدث؛ وإنما معايشته وتصوُّره في أذهاننا. وبتعبير آخر، هو الفارق بين معرفتنا أن درجة الحرارة سترتفع عندما يحل فصل الصيف، وتصوُّرنا لأنفسنا ونحن نجلس تحت أشعة الشمس خلال ذلك الصيف وإحساسنا بالحرارة، وهي تلفح أجسادنا. كما أن البصيرة لا علاقة لها بالتوقع، ولا يمكن تصنيفها في باب التنبؤات. فهي لا تهدف إلى التنبؤ بالمستقبل، أو الكشف عنه كما لو كان محددًا مسبقًا، بل هي مقدرة ذهنية تساعدنا على بنائه، وتدعونا إلى النظر إلى المستقبل كشيء يمكننا خلقه أو تشكيله.

عالم الأعصاب الكندي إندل تولفينج.

الذاكرة العرضية أساس البصيرة

من الجدير ذكره أن هناك صلة عميقة بين تذكُّر الماضي وتخيُّل المستقبل، وأن عملية التذكُّر في حد ذاتها تمنح المرء “المادة الخام” اللازمة لبناء سيناريوهات معقولة للأحداث المستقبلية والتصرف بناءً عليها. وهذا الارتباط بين تصوُّر المستقبل والذاكرة يجعل البصيرة إسقاطًا قويًا ثنائي الاتجاه يجمع بين المستقبل والذاكرة العرضية؛ مما يسمح لنا بالاستفادة من تجربة سيرتنا الذاتية واستدعاء الأحداث والتجارب والعواطف التي حدثت في الماضي، مع القدرة على التخيُّل وتوقع الأحداث المستقبلية.

أمَّا الذاكرة العرضية، فهي نوع من الذاكرة كان أول من ساهم في تحديده، وصاغ المصطلح المسمى به في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، عالم الأعصاب الكندي إندل تولفينج، مؤلف كتاب “عناصر الذاكرة العرضية”، الذي عرَّفها بذاكرة أحداث السيرة الذاتية أو الأوقات والأماكن، والعواطف المرتبطة بها، وغيرها من الأمور كمعرفة من، وماذا، ومتى، وأين، ولماذا. كما تُعتبر الذاكرة العرضية فريدة بالنسبة إلى البشر وأساسية لقدرتهم على السفر العقلي عبر الزمن. وقد اتضح أن للذاكرة والبصيرة العديد من القواسم المشتركة، بحيث إن الضعف في إحداهما يميل إلى أن يسير جنبًا إلى جنب مع الضعف في الأخرى. وبينما يكتسب الأطفال تدريجيًا القدرة على توجيه آلات الزمن العقلية الخاصة بهم إلى الماضي والمستقبل في العمر نفسه تقريبًا، تميل الذاكرة والبصيرة أيضًا إلى الانخفاض بالتوازي مع التقدم بالعمر. ولكن، بالطبع، هناك اختلافات عميقة بين الماضي والمستقبل، وليس أقلها حقيقة أن المستقبل غير مؤكد. أمَّا أحد أسباب قوة البصيرة البشرية، فهو أننا نستطيع التفكير في سيناريوهات متعددة لما قد يكون عليه المستقبل، مما يسمح لنا بمقارنة خياراتنا واتخاذ قرارات أفضل في الوقت الراهن.

ساعدت البصيرة أسلافنا في صراعهم من أجل البقاء، إذ منحتهم مرونة سلوكية للتصرف في الوقت الراهن لزيادة فرص البقاء في المستقبل.

سلاح ثمين في صراع البقاء

 زودت البصيـرة أسلافنا بميزة لا تقدر بثمن في صراعهم من أجل البقاء، إذ منحتهم مرونة سلوكية للتصرف في الوقت الحاضر لزيادة فرص البقاء في المستقبل. حتى إنه بحسب ما ذكره الكاتب الكندي دان فالك في كتابه “البحث عن الزمن: تاريخ وفيزياء وفلسفة الزمن”، من دون البصيرة “لما كان هناك تخطيط ولا بناء ولا ثقافة؛ ومن دون صورة متخيلة للمستقبل، لما كانت حضارتنا موجودة”.

وبالفعل، فقد أعطت البصيرة للبشرية، الحكمة، التي وازاها العالم القرطبي ابن حزم الأندلسي بالبصيرة عندما قال إن “الحكمة هي البصيرة”. فالبصيرة هي من أقوى القدرات البشرية التي حولت البشر من مخلوقات بدائية إلى مخلوقات استطاعت أن تتفوق على جميع الكائنات الأخرى. وقد أشار علماء الإدراك توماس سودندورف، وجوناثان ريدشو، وآدم بولي، مؤلفو كتاب “اختراع الغد.. تاريخ طبيعي للبصيرة”، إلى عدد من الاختراعات التي ابتكرها الإنسان منذ العهود القديمة ومكَّنته من البقاء، مثل الفؤوس اليدوية المصنوعة بدقة التي استخدمها الإنسان المنتصب منذ ما يقرب من مليوني سنة، فرغم أنها قد تبدو بدائية بالنسبة إلينا اليوم، فقد تطلبت البصيرة للتخطيط والتنفيذ. فعندما توقع الإنسان القديم ما قد يهدده، جمع رماحًا ذات رؤوس حجرية، وعمد إلى تصنيعها لاستخدامها لاحقًا للقتل من مسافة بعيدة، كما صنع حاويات متنقلة مكَّنته من نقل المؤن إلى نقاط بعيدة في المكان والزمان.

 ومن بين أهم الابتكارات البشرية، اللغة التي تتميز بسمة فريدة تسمَّى الإزاحة، أي القدرة على “الإشارة إلى الأشياء البعيدة في المكان والزمان”، وهي التي تُعرف بقدرة اللغة على التواصل حول الأشياء التي لا توجد في الحال (مكانيًا أو زمنيًا)؛ أي الأشياء التي ليست هنا، أو ليست هنا الآن. ومن خلال هذه الميزة مكَّنتنا اللغة من توصيل أفكارنا ومخططاتنا المستقبلية إلى من حولنا.

 من جهة أخرى، يُقال إنه في الأساطير اليونانية القديمة، اكتسبت البشرية قوتها المميزة عندما أعطاها البطل الأسطوري بروميثيوس هدية من السماء، وهي النار. ولا شك في أنه من دون النار، لم يكن للجنس البشري أن يزدهر أبدًا.

ولكن ربما ما هو أقل شهرة عن هذه الأسطورة هو أن اسم بروميثيوس يعني “البصيرة”. وبعد الزمن الجليدي، وبعد زمن هذه الأسطورة بوقت طويل، وعلى مدى آلاف السنين التالية، كانت البصيرة هي التي تدفع بالجنس البشري إلى الأمام.

 فعندما بدأ البشر باكتساب المهارات والمعرفة مقدمًا وبشكل متزايد، وتشكيل أنفسهم ومصيرهم، لاحظوا انتظام عالمهم، وابتكروا أدوات مثل التقويمات والمال والكتابة التي حسَّنت إلى حدٍّ بعيد قدرتهم على تنسيق الأحداث المستقبلية، كما زرعوا محاصيل لن يتم حصادها إلا بعد أشهر. وبعد ذلك بوقت طويل، أصبح التطبيق المنضبط للتبصر في المنهج العلمي مفتاحًا للدخول في العصر الحديث، بحيث إن المنهج العلمي يتضمن على نحو أساس ثلاث خطوات: أولًا، جمع البيانات عن طريق الملاحظة أو التجريب؛ وثانيًا، إنشاء تفسيرات محتملة لهذه البيانات؛ وأخيرًا، استخلاص الفرضيات من هذه التفسيرات ووضعها موضع الاختبار. ويعد الاستبصار جزءًا لا يتجزأ من هذه العملية، فالعلماء يعملون في مجال صنع التنبؤات واختبارها، وإذا لم يتم إثباتها باستمرار، تُستبدل هذه النظريات أو تُعدَّل.

مهارة ناقصة

على الرغم من أهميتها الوجودية الفائقة، فإن البصيرة هي مهارة ناقصة، ولا يمكنها أن تكون صائبة تمامًا. والدليل على ذلك وجود العديد من الشخصيات القيادية المؤثرة على الساحة العامة التي فشلت في التنبؤ بما كان يبدو واضحًا بعد فوات الأوان. فقد رأى ألبرت أينشتاين في عام 1932م أنه “ليس هناك أدنى مؤشر على أنه سيكون من الممكن الحصول على الطاقة [النووية] إطلاقًا”، في حين تنبأ رئيس شركة المكانس الكهربائية “لويت” في عام 1955م بأن “المكانس الكهربائية التي تعمل بالطاقة النووية ستكون على الأرجح حقيقة واقعة في العالم في غضون 10 سنوات”. كما أعلن المدير العام لمكتب البريد الأمريكي في عام 1959م أنه “قبل أن يصل الإنسان إلى القمر، سيُسلَّم البريد في غضون ساعات من نيويورك إلى كاليفورنيا وبريطانيا والهند وأستراليا عن طريق الصواريخ الموجهة”.

وعندما هبط البشر أول مرَّة على سطح القمر، توقع العديد من الناس أنه ستكون هناك مستعمرات قمرية بحلول نهاية القرن العشرين، تليها مستعمرات ستقام أيضًا على كوكبي الزهرة والمريخ. ومن جهة أخرى، لم يتوقع غير قليل من الناس، ما الذي سيغير حياتنا فعليًا وهو اختراع الإنترنت والهواتف الذكية. لكن إخفاقات البصيرة في مواقع مختلفة لا يعني أنه محكوم على البشرية بتكرار الأخطاء الماضية، كما أن بوسع عقولنا أن تدرك أن العديد من التطورات البشرية الواضحة، التي تحفزها أمنياتنا بمستقبل أكثر إشراقًا، تأتي بعواقب كارثية لا سيما فيما يتعلق بتغيُّر المناخ. ففي عالمنا اليوم، الغابات تحترق، والأنهار الجليدية تذوب، والتنوع البيولوجي في انحدار، ونحن نستخرج ما نريده من الكوكب، ونترك في المقابل جبالًا من القمامة، بحيث يمكن العثور على فضلاتنا في الأعماق البحرية، وفي المناطق الخارجية للغلاف الجوي. لقد أثَّر النشاط البشري، مدفوعًا بالجشع، في الكوكب إلى حد أن العلماء أعلنوا عن حقبة جيولوجية جديدة، وهي حقبة الأنثروبوسين أو حقبة التأثير البشري. وهي حقبة يعود تاريخها إلى بداية التأثير البشري الكبير في جيولوجيا الأرض والتقنية، بما في ذلك تغير المناخ وتأثيره في الأرض وحياة الإنسان.

وفي ضوء كل ذلك، علينا أن ندرك أن البصيرة البشرية لا بدَّ أن تكون مرتبطة بما يعنيه أن تكون إنسانًا، ولا يمكن فصلها عن مفاهيم المسؤولية الأخلاقية، ولا عن أعمق مخاوفنا، ولا عن إحساسنا بالإرادة الحرة. فالبصيرة في أفضل حالاتها هي التي يجب أن تكون كما يقال فيها “عين القلب”.


مقالات ذات صلة

المعلقات قصائد عُلّقت على الأستار وعَلِقت في الأذهان، وهي تحمل بذور الفطرة الإنسانية في نقائها وبساطتها وواقعيّتها.

Wise Animals: How Technology Has Made Us What We Are by Tom Chatfield
تأليف: توم شاتفيلد
الناشر: Picador، 2024

كانت الموانئ والمدن الشرقية نقط ابتداء طرق تجارية، برية وبحرية، تخرج منها وتصل الموانئ الواقعة في الغرب. وعلى هذه الطرق كانت تسير القوافل، في الشمال، عبر آسية الوسطى، كما كانت تنتقل السفن، في الجنوب من ميناء إلى ميناء. وكانت السفن شأن القوافل، تحمل من الصين الحرير غربًا والكثير من السلع الغربية إلى الشرق.


0 تعليقات على “البصيرة.. المقدرة الذهنية التي شكّلت العالم”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *