مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يوليو – أغسطس | 2020

الأعشى.. صنّاجة العرب


في عددها الأول الصادر في شهر صفر عام 1373هـ، أكتوبر 1953م، نشرت القافلة مقالة عن الأعشى تضمَّنت إشارة وصورة فوتوغرافية لبقايا سور منفوحة بالرياض.

في ضواحي الرياض وعلى بُعد خمسة أميال تقريباً تجاه الجنوب، تقع أطلال المنفوحة، موطن أبي بصير ميمون بن قيس المعروف بالأعشى، أحد فحول الشعراء العرب في الجاهلية، ويقال إن جدران بيته لا تزال قائمة حتى يومنا هذا. أما الخرائب التي تظهر في الصورة فهي بقايا الأسوار التي كانت في يوم من الأيام تُحيط بالمنفوحة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن وزارة الثقافة السعودية كانت قد أعلنت في ديسمبر 2019م عن فعالية “حياة الأعشى”، التي ستقام سنوياً، لتقدِّم للزائر تجربة تفاعلية يتعرف خلالها على حياة الأعشى وتاريخ حي منفوحة العريق ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في تلك الحقبة. وقد قامت الوزارة بإعادة تصميم الموقع الذي عاش فيه الأعشى في حي منفوحة ليُحاكي تلك الحقبة التاريخية.
وتضم فعالية “حياة الأعشى” عدداً من الأنشطة الأدبية منها “مسرح القصيد” الذي ستُعرض فيه قصة معلقة الشاعر الشهيرة “زرقاء اليمامة” وقصة طسم وجديس، وسيتخلل ذلك عروض صوتية وضوئية وموسيقى تفاعلية تنقل إلى الزائر قصة الشاعر بأشكال فنية جذابة. إضافة إلى”متحف الأعشى” الذي يعرض محتويات ووثائق حول تاريخ حي منفوحة وأهم المواقع التاريخية فيه إلى جانب تاريخ الشاعر الأعشى وأهم أشعاره.
أعشى قيس هو أبو بصير ميمون الأعشى ابن قيس ابن جندل القيسي. نشأ في بداية أمره راوية لخاله المسِّيب ابن عَلسَ وقد عمي. وطال عمره حتى ما انبلج فجر الإسلام وعظم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بين العرب، فأعدَّ الأعشى قصيدة يمدح بها النبي – صلى الله عليه وسلم- وقصده بالحجاز، فلقيه كفار قريش وصدوه عن وجهته على أن يأخذ منهم مئة ناقة حمراء، ويرجع إلى بلده لتخوفهم أثر شعره فقبل، ولما قرب من اليمامة سقط عن ناقته، فدقت عنقه ومات، ودفن ببلدته المنفوحة، وهي على مسيرة عشرين دقيقة بالسيارة من مدينة الرياض.

ويُعدُّ الأعشى رابعاً لثلاثة فحول: امرئ القيس، والنابغة الذبياني، وزهير ابن أبي سلمى، وكان يمتاز عنهم بغزارة شعره، وكثرة ما روي له من الطـوّال الجياد وتفنُّنه في كل فن من أغراض الشعر. ولشعره طلاوة وروعة، ولقوة طبعه وجلبة شعره سمــي “صنّاجة العرب”.
ومن جيد شعره قصيدته التي أعدها لينشدها بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يمدحه فيها فلم يفز بذلك وأولها:
أَلَم تَغتَمِض عَيناكَ لَيلَةَ أَرمَدا(1)
وَعادَكَ ما عادَ السَليمَ المُسَهَّدا(2)
وَما ذاكَ مِن عِشقِ النِساءِ وَإِنَّما
تَناسَيتَ قَبلَ اليَومَ خُلَّةَ مَهدَدا

ومن شعره في المدح:
أَرِقتُ وَما هَذا السُهادُ المُؤَرِّقُ
وَما بِيَ مِن سُقمٍ وَما بِيَ تَعشَقُ
لَعَمري لَقَد لاحَت عُيونٌ كَثيرَةٌ
إِلى ضَوءِ نارٍ في اليَفاعِ تُحَرَّقُ(3)
تُشَبُّ لِمَقرورَينِ(4) يَصطَلِيانِها
وَباتَ عَلى النارِ النَدى(5) وَالمُحَلَّقُ
تَرى الجودَ يَجري ظاهِراً فَوقَ وَجهِهِ
كَما زانَ مَتنَ الهِندُوانِيِّ رَونَقُ
يَداكَ يَدا صِدقٍ فَكَفٌّ مُبيدَةٌ
وَأُخرى إِذا ما ضُنَّ(6) بالمال تُنفِقُ

وقيل إن معلقته هي التي أولها:
وَدِّع هُرَيرَةَ إِنَّ الرَكبَ مُرتَحِلُ
وَهَل تُطيقُ وَداعاً أَيُّها الرَجُلُ
غَرّاءُ(7) فَرعاءُ(8) مَصقولٌ عَوارِضُها(9)
تَمشي الهُوَينا كَما يَمشي الوَجي(10) الوَحِلُ
كَأَنَّ مِشيَتَها مِن بَيتِ جارَتِها
مَرُّ السَحابَةِ لا رَيثٌ(11) وَلا عَجَلُ
لَيسَت كَمَن يَكرَهُ الجيرانُ طَلعَتَها
وَلا تَراها لِسِرِّ الجارِ تَختَتِلُ(12)

1) ليلة أرمدا: ليلة هاجت عينه بالرمد.
2) مسهدا: أرقا.
3) اليفاع: ما ارتفع من الأرض.
4) لمقرورين: لمرتعشين بردا.
5) النَّدى: الجود.
6) ضنّ: بخل.
7) غرّاء: المرأة الجميلة ذات الغرة.
8) فرعاء: البكر الكاملة الأنوثة ذات الشعر الطويل التام.
9) عوارضها: شعر العارضين.
10) الوجي: الحافي القدمين.
11) الريث: المهلة والإبطاء.
12) تختتل: تسترق السمع.


مقالات ذات صلة

يقول الممثل روبرت دي نيرو، إن فن التمثيل هو “ذلك العالم الذي يتيح لك أن تحيا حياة الآخرين، من دون أن تكون مضطراً لأن تدفع الثمن”. وبفعل عيش حياة الآخرين ودراسة شخصياتهم في العمق، تتكوَّن لدى بعض السينمائيين وجهات نظر وأفكار على مستوى من دقَّة الملاحظة والحِكْمة يرى البعض أنها ترتقي إلى مشارف الفلسفة.

رغم انتشار ترجمات معلّقات الشعر الجاهلي وشهرتها في الثقافات الغربية، واعتبارها مصدراً للشعر العربي والغربي، إلا أن هناك عدداً قليلاً من الترجمات الكاملة والمتسقة لهذه المعلَّقات، بل لا تخلو هذه الترجمات من بعض الملاحظات السلبية، كعدم تمكُّن المترجم من الوصول إلى معنى النص أو بقائه في حيز أكاديمي بحت.

يقع متعلِّمو اللغة الإنجليزية أو اللغة العربية على كلمات يألفونها ويودّون لو يستخدمونها في أحاديثهم وكتاباتهم ولكنها لا تجري على ألسنتهم أبداً! مثلاً، يُصادف متعلِّم اللغة العربية (وهذا ينطبق على الإنجليزية) كلمات من قبيل (يعدل عن قراره) أو (يرتاد المقاهي)، ولكنه لا يستطيع أن يوظّف كلمتي (يعدل عن) أو (يرتاد) في لغته الخاصة رغم معرفته لمعانيها؟ فما المشكلة المتسببة في ذلك؟ وما الطرائق لحلها؟


0 تعليقات على “الأعشى.. صنّاجة العرب”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *