مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل | 2018

ماذا لو اختفت الأشجار؟


فيديل سبيتي

لو اختفت أشجار الأرض، لصعب علينا تصور استمرار الحياة كما نعرفها الآن. فإذا نجا النوع البشري، أو بعضٌ منه، من هذا الدمار الرهيب، فستكون الحياة مختلفةً جداً عما نعرفها اليوم.
يتنشق الإنسان الأكسجين ويزفر ثاني أكسيد الكربون. وبعكس ذلك، الشجر تتنشق ثاني أكسيد الكربون وتزفر الأكسجين. والعلاقة بين البشر والشجر حيوية بالنسبة إلينا فقط. لأنَّ الأشجار تستطيع العيش من دون البشر، أما البشر فلا يستطيعون العيش إذا اختفت، إذ إنها توفِّر إمداداتٍ ثابتةً من الأكسجين الذي هو ضروريٌ جداً لحياة جميع المخلوقات.
فالأشجار هي العنصر الحاسم في دورة الكربون الذي هو العنصر الثاني في الأهمية بعد الماء للحياة. فالأشجار تأخذ ثاني أكسيد الكربون من الجو وتحوله من خلال عملية التمثيل الضوئي إلى طاقة. وبعد ذلك، إما يتحوَّل الكربون إلى أكسجين وينطلق في الهواء من خلال تنفس الأشجار، أو يبقى فيها حتى يتحلل في التربة من خلال جذورها ويغنيها.
وهكذا إذا اختفت الأشجار سيكون لدينا مستويات عالية من ثاني أكسيد الكربون في الهواء وانخفاض من كمية الأكسجين. كما سيتلوث الهواء بمواد أخرى مثل أول أكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت وثاني أكسيد النيتروجين، وهي كلها تمتصها الأشجار. وسيصبح الهواء غير مناسب للتنفس، وسيضطر الناس إلى ارتداء أقنعةٍ لتصفية القليل مما تبقى من الأكسجين فيه. وربما يصبح الهواء النقي سلعة نادرة ومرتفعة الأسعار لا يستطيع معظم الناس شراءها.
وزيادة ثاني أكسيد الكربون في الجو يزيد من غازات الدفيئة التي يتخوّف منها الجميع.
كما يؤثر اختفاء الغابات على دورة المياه؛ فالأشجار تمتص المياه من جوف الأرض وتطلقها في الجو بعملية الترشيح، وهذا يؤثر على ما يعرف بجدول المياه. والترشيح، أو بخار الماء المنبعث من أوراق الأشجار، هو جزءٌ من عملية إنتاج المطر. وعندما تتساقط الأمطار، تستوعب الأشجار في البداية مياه الأمطار من خلال جذورها لتمنع الفياضانات وتعرية التربة الواسعة للأراضي، وتسهم في ترطيب الهواء ومنع الجفاف في الجو.
من دون الأشجار ستصبح التربة غير صالحة للزراعة وخالية في الوقت نفسه من المغذيات. فهي تشكِّل نوعاً من مصفاةٍ من المواد الكيميائية والملوثات الخطرة. وستصبح المياه الجوفية نتيجة ذلك شديدة التلوث، وتنخفض بشكلٍ مخيفٍ كمية المياه العذبة الصالحة للشرب.
مع اختفاء الأشجار سينقطع الورق والخشب. حالياً يعتمد 1.6 مليار إنسان في معيشتهم على الأشجار وسيصبحون عاطلين من العمل. وبما أن مئاتٍ بل آلاف المنتجات لها علاقة بالخشب والورق، فإنها ستختفي. وتختفي أيضاً مع الأشجار الفواكه وأنواع المكسرات وغيرها من المغذيات. ويرتبط كثيرون بعملهم بهذه الصناعات، وسيكون له تأثير متسلسل، مما يزيد من البطالة وعدم الاستقرار والفوضى والتعديات والحروب الأهلية وغيرها.
وتشكِّل الأشجار أيضاً دروعاً ضد الضوضاء والتلوث الضوئي. والضوضاء المتواصلة، كما الأضواء تزيد أيضاً من مستويــات التوتــر عند الأفراد. فلنتصـور إذاً كيف ستكون عليه علاقات الناس من توترٍ إذا اختفت الأشجار.
والأشجار تضفي على الطبيعة جمالاً ساحراً، وهي الموئل الأساسي للطيور التي تبيت على أغصان الأشجار في الليل وتشنف آذاننا بالموسيقى في النهار. ومن دونهما ستصبح الحياة خاويةً وفاقدة الروح.


مقالات ذات صلة

تستضيف أجسامنا تريليونات الكائنات الحية الدقيقة، التي يفوق عدد خلاياها خلايا الجسم نفسه. وتتكوَّن هذه من البكتيريا والفيروسات والأركيا والفطريات واليوكاريوت الدقيقة، وتُعرف مجتمعةً باسم “الميكروبيوتا”، في حين يُستخدم المصطلح “ميكروبيوم” لوصف الكائنات الحية الدقيقة، بالإضافة إلى عناصر المضيف المستمدة من مكوّنات البيئة التي تعيش فيها هذه الكائنات الحية الدقيقة.

انتشرت طرفةٌ نُسبت إلى ألبرت أينشتاين عندما نشر نظريته الشهيرة حول النسبية العامة بداية القرن العشرين، تقول إن مساعدته جاءته تشكو كثرة الأسئلة ممن يلتقي بها حول ماهية النسبية، فأجابها أينشتاين: “عندما أجلس مع من أحب لمدة ساعتين، أخالها دقيقةً واحدةً فقط. ولكني عندما أجلس على موقد ساخن جداً لمدة دقيقة أخال أنها ساعتان، هذه هي النسبية”.

الفراشة هي أجمل زوَّار الحدائق، وأكثر ما يثير الخيال. فهل أعددنا لاستقبالها ما يليق برقتها ورشاقتها وما تعشق من نباتٍ ورياحين ورحيق؟
لقد حولنا كثيراً من موائلها إلى غاباتٍ من الإسمنت وطرقات ومزارع ومصانع. وجعلنا المبيدات الحشرية تقضي على أعدادٍ كبيرةٍ منها. وأحدثنا تغيراً مناخياً خطيراً، فتصحرت موائلها، خاصة في المناطق المدارية حيث تزدهر. وهذا ما أشار إليه بحثٌ حديثٌ حول الفراشات في ألمانيا، أجراه كل من “جان كريستيان هابل” من الجامعة التقنية في ميونيخ و“توماس شميت” من جمعية “سينك برغ لبحوث الطبيعة”، في فبراير 2019، واستنتج أن أعدادها تناقصت إلى الثلث.


0 تعليقات على “اختفت الأشجار؟”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *