مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
يناير – فبراير | 2021

لتقريبها إلى شباب اليوم والثقافات الأخرى..
إعادة شرح المعلّقات وترجمتها


للمعلّقات مكانتها الاستثنائية، ليس في تاريخ الشعر العربي فحسب بل العالمي أيضاً. ولكن من المسلّم به أن قراءة الشعر الجاهلي عموماً، والمعلّقات خصوصاً، ليست سهلة على غير المتخصِّصين. إذ إن كثيراً من المفردات والصور المجازية الواردة في هذا الشعر أصبحت موضع التباس منذ قرون من الزمن، الأمر الذي أدَّى في عصرنا إلى ما يشبه وجود قطيعة، مفهومة الأسباب ومؤسفة في الوقت نفسه، بين شباب اليوم وقراءة المعلّقات.
ولمواجهة هذه القضية، وتيسيراً لوضع هذه الأعمال الخالدة في متناول الجيل الجديد، العربي منه والأجنبي، أصدرت القافلة بالتعاون مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) كتاب “المعلّقات لجيل الألفية”، الذي يتضمَّن شرحاً جديداً لمضمونها وترجمتها إلى الإنجليزية، وأسهم فيه عدد من الباحثين والاختصاصيين في الشعر الجاهلي وفي الترجمة.
فبماذا يختلف هذا الشرح للمعلّقات عن غيره هذه المرَّة؟ وبماذا تختلف ترجمتها إلى الإنجليزية عن الترجمات السابقة؟ هذا ما حاولت القافلة أن تسلِّط الضوء عليه من خلال جلسة نقاش عقدتها بالتعاون مع مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، وشارك فيها، حضورياً وعن بُعد عدد من الذين عملوا على الكتاب، وحضرها عدد من الأدباء والمهتمين.

بعد كلمة ترحيبية بالحضور ألقاها أمين مكتبة إثراء الأستاذ طارق الخواجي، وأشار فيها إلى أن الغاية من إصدار كتاب

“المعلّقات لجيل الألفية”، هو الإسهام في “إبراز أهم الأعمال الإبداعية في تاريخ الشعر العربي وتقريبها من ذائقة الأجيال الجديدة للمحافظة على ديمومتها”، طرق مدير الجلسة الشاعر عبداللطيف المبارك صلب موضوع النقاش بالتساؤل:

“كيف نعود إلى مكان مرّ به الكثيرون؟ وكيف يستطيع الشرّاح والمترجمون أن يقبضوا على الأرواح المعلّقة في القصائد؟ كيف تقبض بيدك على ذلك الإحساس العميق الذي تفصله عنك اللغة والقصص والزمن؟ والسؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو لماذا المعلَّقات خالدة؟”

خلود المعلَّقات في مخاطبتها
لأعماق النفس الإنسانية

شغل التساؤل عن أسباب خلود المعلّقات حيّزاً كبيراً من الجلسة، وكان الدكتور حاتم الزهراني أول المتحدثين فيه، فقال: إن التاريخ الأدبي العربي نظر إلى هذه الأعمال من ناحية جودتها الفنية ورسالتها الإنسانية وقدرتها على تحويل الأحداث التاريخية العادية إلى رموز كونية، يمكن أن يشعر بها الإنسان في أي زمان ومكان. إن أفضل إجابة عن السؤال عن خلود المعلّقات هو أن طالباً ربما في الصف السابع أو الثامن يمكنه أن يقرأ هذه الأبيات الثلاثة التي نظمت قبل أكثر من 16 قرناً:

“وليلٍ كمَوجِ البحر أرخى سدولَه
عليّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لمّا تمطّى بصُلبه
وأردف أعجازاً وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويلُ ألا انجلِ
بصبح وما الإصباحُ منك بأمثلِ”

فيشعر هذا الطالب بأن مضمون هذه الأبيات، بما ينطوي عليه من صور من تلك الفترة، ينطبق أيضاً على ما يعرفه أو ما يريد هو أن يقوله في القرن الحادي والعشرين. أما الدكتور عدي الحربش فقال: “المعلَّقات خالدة لأن معنى أن تكون عربياً موجوداً داخل المعلَّقات. وهذه القصائد العشر تختلف عن غيرها من القصائد الجاهلية. ولكننا إذا ما قارنَّا في ما بينها، سنجد أيضاً أنها متجانسة وثرية، وأنها تحوي من الفلسفة والتاريخ والمبادئ والأخلاق العربية ما يشكِّل منها نبعاً نستمد منه القوة والشجاعة”.

عالمية المعلّقات تنطلق من محلّيتها
ثمّ تحدّث الدكتور سامي العجلان الذي استهل كلمته بالتشديد على وجوب الانطلاق من المحلي للوصول إلى العالمية في أي عمل أدبي. فقال: “كلما أردت أن تكون عالمياً يجب أن تكون محلياً، وأن تنطلق من جذورك، لأنّ العالم كله لا يريد نسخة منه، بل يريد نسخة منك، وأن تقدّم نفسك بالطريقة الملائمة لإخراج رؤيتك الخاصة للعالم”.
ورأى العجلان أن المعلّقات من أبرز النصوص الأدبية والشعرية التي عرفها الأدب العربي: “هم يسمّونها دائماً “المعلّقات” وهي أيضاً “المعلِّقات”، هي فاعلة للتعليق كما أنها حسب الروايات أنها عُلِّقت إما على الصدور، وإما على ستائر الكعبة في الجاهلية، وهي أيضاً معلِّقات لأنها وقفة للنفس أمام الطلل”. وأضاف: “أبرز ما في المعلّقات أنها أسّست لهذا التقليد الشعري الذي ظل لفترة طويلة مسيطراً على الشعر العربي، وهو الوقوف على الأطلال، وهو وقوف مع الزمن. وعندما نتكلم عن الشعر الحديث نقول إنه تجاوز هذا التقليد، ولكنه لم يتجاوزه. بل أصبحنا أقل جرأة من الشاعر الجاهلي في مخاطبة صاحبينا، فنقول:

قفا نبك من ذكري حبيب ومنزل
بسقط اللوى بين الدخول فحومل

فالشاعر يقف مع الطلل لأنه يريد العودة إلى الماضي مستشرفاً للمستقبل، أو خائفاً من الآتي، هذه الوقفة هي وقفة خالدة، ربما تكون سبباً إضافياً لخلود المعلَّقات، كونها تلامس المشاعر الإنسانية الأصيلة”. واعتبر العجلان أن النص الجميل يتميّز بأنّه حمال أوجه، بحيث يستطيع أن يقدِّم شيئاً جميلاً كلما أعدت قراءته من جديد، وذلك من خلال اللغة الممتدة التي تكاد أن تكون السمة النادرة في اللغة العربية. إذ إننا لا نزال نقرأ شعراً كُتِب قبل 1500 سنة أو أكثر، ونستطيع أن نفهم جزءاً منه على الأقل، ومع الاستعانة بالشرح نستطيع أن نفهمه كله تقريباً.

شعراء المعلَّقات تعمَّدوا خلودها!
بعد ذلك، قدّمت الدكتورة سوزان بينكني ستيتكيفيتش مداخلة عن بُعد، تناولت فيها أيضاً موضوع خلود المعلّقات. وقالت: “إن خلود المعلَّقات ليس بالصدفة. في المجتمعات الشفاهية، يتولى الشعر التعبير عن رسالة الناس وتجسيد القيم والمشاعر والعواطف والتجربة الإنسانية. إن المعلَّقات التي وصلتنا بالذات هي القصائد الناجحة. فمن المعروف أيضاً أن ثَمَّة عدداً لا يحصى من القصائد المنسية والمفقودة. وأفضل القصائد هي التي نجحت في ذلك. ولا يكمن السرّ في فن القصيدة أو في تصوير الأفكار فقط، وإنما في تجسيمها بهذا الشكل القوي والأخّاذ طوال قرون من الزمن، وما أقصده هنا أن الشعراء كانوا على وعي بذلك، وأن الخلود كان من أهداف القصيدة”.
أما الدكتورة هدى فخر الدين فرأت أن “الشعر العظيم ليس معنياً أو مشغولاً بالخلود. هو دائم الاتصال بالزمن، والمعلّقات تثبت ذلك مرَّة بعد مرَّة، فها نحن نعود إليها الآن، لأن فيها جوهراً طارئاً جديداً على الدوام. ومن هنا يأتي تحدي الترجمة، وهو تحدٍّ كبير، خاصّة إذا كنت كمترجم تُقبل على ترجمة نص تحبه”. وفي تفاصيل خصوصية ترجمة المعلّقات إلى لغة أجنبية، قالت الدكتورة فخر الدين: “عليك أولاً أن تتصالح مع خسارة فادحة ستقع، وهذا ما يحصل دوماً في ترجمة المعلَّقات.
وعليك بعد ذلك أن تصرّ على تحقيق المستحيل وهو كتابة معلّقة بلغة أخرى. وبين هذا التصالح مع الخسارة الفادحة والإصرار على المستحيل، تسعى إلى أن تقع في هذه الرحلة على ما يشبه المعلَّقة في لغة جديدة، أو ما يشبه أثرها. ولكي تفعل هذا، عليك أن تتلمذ على يد كلّ من قرأوا وترجموا المعلَّقات من قبلك. فالمعلَّقات تراثٌ متصل، وهذه التجرية التي دعينا إليها في هذا المشروع مميّزة، لأنها جعلتنا نقف على تاريخ وتراث المعلَّقات في اللغتين العربية والإنجليزية ونقدّم إسهامة جديدة”.

الشرح الجديد للجيل الجديد
كانت إشارة فخر الدين للقضية التي تثيرها ترجمة المعلّقات مدخلاً للتوسع في الحديث عن الإصدار الجديد الموجّه لجيل الألفية، فأعطت لمحة موجزة عنه بالقول: “الكتاب هو مجلد ثنائي اللغة بالعربية والإنجليزية، يحتوي لأول مرَّة على المعلّقات العشر كاملة بتحقيق جديد لأبيات القصائد. فنحن نعرف أنّ هناك روايات متعدّدة لقصائد المعلّقات. وكانت إحدى المهام الرئيسة لشرّاح المعلّقات أن يختاروا الرواية التي يجدون لها المبرّرات الكافية، وبعد ذلك كانت الرواية الأنسب تُسلّم للزملاء في القسم الإنجليزي. وأحياناً كان يدور حوار بين الطرفين، ونصل فيه إلى رواية نهائية” وأضاف: “يقدّم هذا الكتاب أيضاً ترجمات أصيلة إلى اللغة الإنجليزية لجميع القصائد. كأننا تعلّمنا من خلاله المرونة الأسلوبية لشعراء المعلّقات وتنوّع أساليبهم، وما نستطيع أن نطبّقه منها على الترجمة. وسيجد القارئ مثلاً، أنّ المترجم الواحد ينوّع في طريقة ترجمته بين نصين، لأن الترجمة في آخر المطاف هي تأويل آخر وقراءة أخرى للنصوص. وعلى سبيل المثال لدينا ترجمة معلَّقة الأعشى التي أنجزتها الدكتورة هدى فخر الدين، حيث اختارت أسلوباً خاصاً يليق أكثر بالجو الراقص في المعلّقة بينما اتخذت أسلوباً آخر في ترجمة معلّقة طرفة”. وأكد الزهراني أن المشروع يحقّق أمرين: أولاً إعادة إحياء تقليد شرح الشعر العربي، لأن الكتاب يعطي فرصة لاحتكاك مباشر مع النصوص. فالمبدأ النقدي الشائع الذي كان يسيطر على شروح الشعر العربي التراثي كان يعتمد وحدة البيت.

وبالتالي لا نجد قراءة كاملة حقيقية للقصيدة. بينما سنجد هنا أن الدكتور سامي العجلان في شرحه لمعلَّقة امرئ القيس يربط مبتدأها بمنتهاها. وسنجد الدكتور عدي الحربش يربط شرحه لمقدِّمة الأعشى بما حدث في نهاية القصيدة، أما الدكتور عبدالله الرشيد فلا يتوقف مع القارئ في نهاية معلَّقة عنترة، بل يربطه بالمنجز الشعري لعنترة عموماً. أما الأمر الثاني فهو في المقدِّمات الثرية للقصائد، مقدِّمات عن الشاعر، وقصيدته، ومنزلتها الفنية، وأبرز الإضافات التي تقدّمها في جوانبها الإنسانية. كل هذه المعطيات تجعلنا نقول إن هذا الكتاب يقدّم شيئاً لا يوجد في غيره، وهو يحقّق إضافة العالم والباحث. كما يحقّق أيضاً إضافة للقارئ الذي يريد أن يستمتع بقراءة الشعر، وفي وجود اللغة العربية إلى جانب اللغة الإنجليزية في صفحتين مقابلتين، فإننا نتيح لكلتا اللغتين الفرصة للاستمتاع ببهجة هذه النصوص وتأويلها والتنافس على اصطياد الجمال في أبياتها”.

الشرح بلغة سهلة بعد التدقيق
وتوسّع الدكتور الحربش قليلاً في الحديث عن شرح المعلّقات فقال: “إن القدماء أبدعوا في شرح المفردات والمعاني ومناسبات القصائد. وكان يجب على القارئ أن يقاربها بكثير من التحرّي. لكن ما زال لدينا شيء جديد نبحث عنه ونقدّمه، وسيكون لهؤلاء الذين سيأتون من بعدنا شيء جديد أيضاً يبحثون عنه ويقدّمون له. لقد حرصت وأنا أشرح معلَّقتي الأعشى ولبيد، أن أتحرَّى عن وحدة القصيدة ككل، وكيف يختبئ الشاعر وراء المجاز.. ثم كيف يتحوّل هذا المجاز إلى قناع. فنحن حين نقارب لبيد مثلاً، لا بدّ من أن نفهم ما يدور في ذهنه وهو يقف على الأطلال، ويتذكر نوار، ويحاول أن يعبّر عن هذه المشاعر الكامنة من وراء القناع. ورحلة البحث هذه تقرّبنا نحن كشارحين من هؤلاء الشعراء العظماء وتقرّب أيضاً القرّاء منهم.
وإلى ذلك، أضاف الدكتور العجلان أن الكتاب يعيد قراءة القراءات. فهناك قراءات كانت مسيطرة، خصوصاً ذلك الجدل الذي كان يدور حول الشعر الجاهلي وثباته ومدى صحته، وحول الروايات المتعلّقة بالأبيات. وشدّد على أنّ المشروع هو أكبر من اعتباره قضية شرح فقط، وإنّما تحقيق أبيات معلَّقة، واختيار الروايات الأوثق فيها. ففي معلَّقة طرفة التي شرحها هو، كان هناك رأي شهير جداً لطه حسين، حول المقطع الكبير في وصف الناقة، فهو يشكِّك بهذا المقطع الذي يشكّل ثلث القصيدة، لأنه يقرأ القصيدة بطريقة الموضوعات، وبما أنّ القصيدة موضوعاتها متقاربة بينما هذا الموضوع مختلف، يبدو أنه مقتحم، وأن الذي أقحمه هم علماء اللغة لمزيد من صقل الذائقة اللغوية..
ففي مثل هذه القراءات تشعر بأن فيها شيئاً من التسرّع في الاستنتاج. فكثير من التفسيرات المتسرعة أحياناً للمعلّقة أو عدم ملاحظة الوحدة السارية يعود إلى خطأ في القراءة وليس في القصيدة. وهذا خطأ يمكن أن نشعر به في الاستعجال الذي حدث في قراءة طه حسين لملَّعقة طرفة. فالقراءة الموضوعاتية لا تعطيك الدلالة الواحدة التي يحاول أن يعبّر عنها طرفة أو غيره من شعراء المعلَّقات بأساليب تصوير مختلفة. ولكن الدلالة في النهاية هي واحدة، بمعنى أنها محاولة للتعبير عن شعوره بالضيم تجاه رد ابن عمه مالك ورفضه لمساعدته، فرجع يحاول من خلال الناقة التي وصفها بأوصاف أسطورية، أن يضع فيها الصفات التي يريدها لنفسه، بحيث يستغني فيها عن ابن عمه. وهي في الحقيقة ليست وصفاً للناقة كما يتبادر للذهن، وإنما هي لوحة أخرى يضيفها طرفة ليؤكد القوة والشدة اللتين يستعين بهما أمام الموقف الذي شعر فيه بالضعف تجاه تمنّع ابن عمه عن نجدته. فما أقصده هو أن قراءة موضوعات المعلَّقة يجب أن تتكوَّن بروح واحدة، هذا ما سعت إليه القراءات.

اليوم العالمي للغة العربية
“فليكن منصة للمبادرات لا مناسبة للمدائح”

تخللت الجلسة كلمة للدكتور زياد الدريس مندوب المملكة الدائم لدى منظمة اليونيسكو سابقاً، تناول فيها حال اللغة العربية واليوم العالمي المخصَّص لها، ومما جاء فيها: “عندما انتخبت نائباً لرئيس المجلس التنفيذي بمنظمة اليونيسكو في عام 2011م، استخدمت ذلك المنصب للتقدّم بمشروع قرار تأسيس احتفالية اليوم العالمي للغة العربية، وهذا ما تحقق في أكتوبر عام 2012م، ليصبح الاحتفال بالمناسبة في 18 ديسمبر من كل عام، وهو اليوم الذي صدر فيه القرار باعتماد اللغة العربية لغة دولية عام 1973م”. وأضاف: حين تأسست احتفالية اليوم العالمي للغة العربية، كان حلمي أن تصبح الاحتفالية منصّة لصنع المبادرات، لا أن تكون مناسبة تقليدية تحفل بالمدائح، خصوصاً إذا تمّ امتداح اللغة العربية عبر انتقاص اللغات الأخرى. كان هذا يزعجني كثيراً، وقد توقعّت طبيعياً أن تكون السنوات الأولى من الاحتفالية تعبيراً عن المشاعر والأمزجة. لكننا على وشك أن نحتفل بالسنة العاشرة في العام المقبل ويجب أن ننتقل إلى مرحلة أخرى، وهي مرحلة صنع المبادرات التي تلامس الناس. وأعيد العبارة التي أقولها دائماً: المدخل الحقيقي والفعّال لرفع مكانة اللغة العربية ليس بكثرة مديحها بل في كثرة استخدامها”. وتابع الدريس كلمته قائلاً: ظللت سنوات منشغلاً بالسؤال عن أيهما أكثر تهديداً للغة العربية اللغات الأجنبية أم اللهجات العامية؟ وقبل أن أقترب من جواب أن اللغات الأجنبية أشدّ تهديداً، اكتشفت أنّ هناك تهديداً أكبر منهما، لم ننتبه له وهو يتمدّد وينتشر سريعاً، وأعني به الاعتقاد الذي تنامى عند الجيل الجديد خصوصاً، بأن اللغة ليست وسيلة للتعبير عن الهوية بل هي وسيلة للتواصل فقط. وبرسوخ هذا المفهوم المغلوط ستصبح مقاومتنا للغات الأجنبية أو اللهجات ضرباً من العبث. واللغات هي مسار أساسي وفذ لتفكيك الهويات المتوترة، التي وصفها أمين معلوف بالهويات القاتلة. لا شكّ أنّ كثيراً من الفروقات بين الهويات البنّاءة والهويات الهدَّامة يكمن في اللغة، اللغة المفخّخة. واستذكر الدريس في ختام كلمته آخر خطاب كتبه ووقَّعه قبل أن يغادر موقعه الوظيفي في منظمة اليونيسكو، وكان خطاباً وجّهه إلى هيئة التراث السعودي يطالب فيه بالمبادرة في إجراءات تسجيل المعلّقات في لائحة التراث العالمي الشفهي، بوصفها تراثاً إنسانياً يستحقّ الخلود.

التحديات اللغوية أمام الترجمة
وأشارت الدكتورة ستيتكيفيتش إلى أن ترجمة المعلّقات إلى لغة أجنبية تواجه تحديات إضافية إلى ما يواجهه الشرح بالعربية. فقالت: “المشكلة أن اللغة العربية في المعلّقات صعبة للغاية. حتى إن الشرّاح من القرنين الثالث والرابع الهجري لم يعرفوا معاني بعض الأبيات والمفردات. فعلى سبيل المثال، إن ابن الأنباري أو التبريزي وأمثالهما قدّموا لنا احتمالات مختلفة لمعاني بعض المفردات وحتى لمعنى الأبيات.

فكيف أختار من الإمكانات التي قدّمها الشارحون من قبل؟ إنّ أي قراءة أو أي ترجمة لمعلَّقة ما تحتاج إلى شرح وإعادة التعبير من جهة، واختيارات لغوية ومعنوية من جهة أخرى” ولكنها أكدت أن الترجمة نجحت هنا في “مدّ الجسور فوق هذه الفجوات”، وتوقَّعت أن يكون للكتاب أثره في الأدب المعاصر بفعل الجمع بين الجماليات التقليدية العربية والجماليات المعاصرة من جهة، وبين المحققين والشرّاح والمترجمين إلى الإنجليزية من جهة ثانية، وهي قراءات تناسب ثقافة الجيل الجديد القارئ بأي من اللغتين. من جهتها لفتت الدكتورة هدى فخر الدين إلى أن الشروح الموجودة باللغة العربية هي شروح وقراءات نقدية تتجاوز موضوع التعامل اللغوي التفصيلي، وتقدّم قراءة نقدية إبداعية في كلّ قصيدة. “فمن يترجم الأدب العربي القديم والحديث لقارئ غير العربي عليه في هذا الزمن أن يتوجّه إلى القارئ الأجنبي العادي، وأن ينسى المتخصِّص الذي يفهم بالإشارات، وأن يقدّم شعراً عظيماً بلغة جديدة تشبه الجيل”.

المداخلات
وفي ختام الجلسة كان لبعض الحاضرين مداخلات وأسئلة تناوب المتحدثون على الإجابة عنها.
ومما جاء في مداخلة للدكتور سعد البازعي أن المعلَّقات العربية عُرفت في أوروبا وتُرجمت إلى لغات أوروبية منذ القرن الثامن عشر الميلادي. وقال: الترجمة التي أنجزها السير ويليام جونز في نهاية القرن الثامن عشر تركت أثراً عميقاً في الشعر الإنجليزي، وبالذات في الشعر الرومانسي. حتى إن بعض الشعراء الإنجليز كتبوا قصائد فيها، ومن بينهم الشاعر شيلي الذي كتب قصيدة بعنوان “من العربية: محاكاة”.
وهناك شاعر إنجليزي آخر له نصّ مهمّ جداً يتحدث فيه عن قصيدة عربية تتنبأ بطوفان، وأعتقد أنه يشير إلى معلَّقة امرئ القيس التي تضمَّن أحد مقاطعها إشارة لطوفان. ورداً على سؤال من الحضور حول ما إذا كانت الترجمة الحالية استخدمت الوزن والقافية على غرار ما فعل ويليام جونز، أجابت الدكتورة ستيتكيفيتش أنّ الترجمات القديمة للمعلّقات كانت مؤثرة في الأجيال الماضية، ولكنها مع الأسف لم تعد جذّابة للجيل الجديد، وكذلك الأسلوب الذي كان متبعاً. وقالت: “فنحن لم نتبع القافية والوزن، لكي تكون الترجمات في هذا الكتاب مناسبة للجيل الحالي”. ورداً على سؤال آخر حول ظهور المعلّقات في بيئات صحراوية مقفرة، بدلاً من ظهورها في الأماكن الآهلة بالعمران، وأثر ذك على المفردات المستخدمة فيها، قال الدكتور العجلان: “قضية المفردات ما زالت مطروحة حتى الآن. وبعض الباحثين كان يطرحها كإشكال. فالأديب طه حسين كان يقول إن اللغة متقاربة جداً بين شعراء المعلّقات جميعاً، وكان يستغرب بأن امرئ القيس عدناني في الأصل وهو من قبائل الجنوب، وأن لغته هي لغة بقية شعراء العدنانيين نفسها. والذين يردُّون عليه يقولون إنّه كان حفيد حفيد مؤسس الأسرة الحاكمة لبني كندة في نجد، وإنه اكتسب اللغة العدنانية. فالدارسون لاحظوا الفروقات الخاصة بكل شاعر، ولكن هناك لغة مشتركة وهي لغة العدنانية، التي شكّلت جزءاً كبيراً من الإنتاج الشعري الذي تركّز في الغالب في نجد. وقد أسهم الجغرافيون المعاصرون أمثال حمد الجاسر في بيان كثير من الأماكن الواردة في المعلَّقات.
وشدَّد العجلان على أن القضية ليست فقط في المكان، وإنما الزمان، فالشاعر ظاهرياً يقف عند المكان لكنه يريد أن يسترجع الزمان. فالمكان لا يوحي فقط بالعمران، ولكن أيضاً بالذكريات، وما يستوقف الشاعر في الطلل، هو فراغ الطلل الذي يجعله متشبثاً بالذكريات والأشباح التي تدب بهذا الفراغ العائد إلى الزمن. أما الدكتور عدي الحربش فقال: إذا كنا نريد أن نتحدّث عن أي مكان ذلك لأنّ شيئاً يربطنا به، وذكريات تجمعنا معه. ومن الملاحظ في الشعر العربي الجاهلي أنه أحياناً هضبة صغيرة تحظى باهتمام كبير لدى الشعراء، فعين الشاعر الجاهلي كانت تميّز هذه الفروقات، وتضيف عليها ثراءً معمارياً بواسطة اللغة، إذ تعطيها من الأوصاف ما يضمن بقاءها في الذهن”. وجواباً عن سؤال آخر حول ما إذا كان شرح المعلقات وترجمتهما للمختصّين أم لجميع القراء؟ أكدت الدكتورة هدى فخر الدين أن هذه الإسهامة ليست حكراً على المتخصّصين، وإن الترجمات والشروحات العربية الجديدة في هذا الكتاب ستكون ذات فائدة على غير المتخصّصين، “لأن هدفنا من دراسة المعلّقات والكتابة عنها هو التأكيد على أهميتها حتى خارج الدوائر المختصّة”.

للمشاهدة:

https://youtu.be/M1h7OPStsW8


مقالات ذات صلة

محمد الشافعي
مهندس بترول

أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامنٌ
فهل ساءَلُوا الغَوَّاصَ عن

يلتصق هذا البيت في ذاكرتي منذ رأيت طلاباً يكبرونني يؤدونه أداءً مسرحياً، وكان قد حرص معلمهم على تجذير الشعور بالمرارة في نبراتهم.
كبرت والبيت لا يفارقني، استحضرت ما جاوره من الأبيات التي باتت تتداعى تباعاً كلما تفلّتت كلماتي العربية، من لساني الذي اعتاد غيرها.

الأميال الحجرية
تأليف: د. عبدالله القاضي
الناشر: المؤلف، 2020م
يُعدُّ كتاب الأميال الحجرية خلاصة عمل علمي وميداني طويل للدكتور عبدالله حسين القاضي، الذي أمضى نحو عشرين عاماً من العمل على اكتشاف 55 ميلاً حجرياً من الأميال التي كانت توضع على الطريق قديماً لإرشاد المسافرين. وتركَّز عمل القاضي على المنطقة الواقعة ما بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.

أول ما يخطر على بال الكثيرين عند الحديث عن أوجه التعاون الرئيسة بين الدول هو الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية، باعتبارها جوانب ينظر إليها على أنها تحمل أبعاد استراتيجية وتأثيراً لا غنى عنه في العلاقات الدولية. ولكن ومع بزوغ نجم مفهوم الدبلوماسية العامة والمفاهيم الأخرى المرتبطة به، مثل القوة الذكية، والقوة الناعمة التي تُعدُّ الثقافة عمودها الفقري، أصبح التعاون الثقافي بين الدول شأناً لا يقل أهمية.. شأناً لا تقتصر تأثيراته كما يوحي الاسم، على الجوانب “الثقافية” وحدها، بل يمتد ليشمل التأثيرات الاجتماعية والسياحية والإعلامية والاقتصادية، والسياسية أيضاً.


رد واحد على “إعادة شرح المعلّقات وترجمتها”

  • مبادرة مميزة وجميلة جدا من قوافل، المعلقات إرث تاريخي وثقافي وكنز أدبي كبير، وإعادة شرحها مطلب نحن في أمس الحاجة إليه.
    شكرا لكم وأتمنى أن أحصل على نسخة من الشرح


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *