مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
نوفمبر – ديسمبر | 2020

إشارات المرور ولغتها البصرية


فريق القافلة

هي سهام ورموز وأرقام وأشكال ذات ألوان مختلفة، لكنها ذات أهمية فائقة في حياتنا، إذ إن مجرد وجودها يدلُّنا على ما يجب القيام به، ويفرض علينا تعديل سلوكنا ونحن وراء عجلة القيادة. إنها إشارات المرور التي لا يكاد يخلو شارع من شوارع العالم من وجودها، وتُعدُّ جزءاً من بنيته التحتية، وتوفر معلومات حول القيود والمحظورات والتحذيرات والتوجيهات وغيرها من المعلومات المفيدة لقيادة السيارة.

استطاع الرومان بناء نظام من الطرق والأنفاق والجسور من البرتغال إلى القسطنطينية. وكانوا يستخدمون نظام المواصلات ذاك في تحريك الجيوش ونقل الناس والبضائع.

يعتقد البعض أن إشارات المرور هي سمة من سمات العالَم الحديث. لكنها كانت موجودة بشكل أو بآخر منذ زمن الإمبراطورية الرومانية. إذ استطاع الرومان بناء نظام من الطرق والأنفاق والجسور من البرتغال إلى القسطنطينية. وكانوا يستخدمون نظام المواصلات ذاك في تحريك الجيوش ونقل الناس والبضائع. وكانوا قد وضعوا على تلك الطرقات بعض المعالم على مسافات منتظمة، يذكرون فيها التصليحات المكتملة على تلك الطرقات، إضافة إلى المسؤول عن صيانة كل جزء من الطريق. كما نصبوا علامات عند التقاطعات تحدِّد المسافة إلى روما. وعلى الرغم من بدائية تلك الإشارات، يمكن القول إن الرومان هم من أوجدوا أول نظام لإشارات المرور بقي يستخدم حتى القرن الرابع ميلادي، حين استمر وضع أنواع مختلفة من اللافتات عند مفترقات الطرقات لتوجيه الناس نحو مدن مختلفة. 

إلا أن إشارات المرور لم تصبح منظمة إلا في إيطاليا في عام 1895م، حين قام “نادي الرحلات الإيطالي” بتطوير نظام مكتمل للإشارات. وبحلول أوائل القرن العشرين بدأ مؤتمر المنظمات السياحية الدولية في باريس بالنظر في معايير معيَّنة للافتات الطرق. ومن ثم، في عام 1909م، اختارت تسع حكومات أوروبية أربع علامات مصوّرة لإشارات المرور لاستخدامها كمعيار موحَّد في بلدانها (وهي إشارة تقاطع الطرق، ومنعطف خطر، ومفرق طريق، وطريق متعرِّج). 
الجدير بالذكر أن إشارات السير الأولى، كتلك التي صنعتها “جمعية السيارات الأمريكية”، كانت مصنوعة من قطعة خشب مرفوعة على عامود حديدي. 

كيف أصبحت لغة عالمية؟
تطوَّرت لاحقاً أشكال وتصاميم إشارات المرور، وحدَّدت لها معايير معيَّنة في بلدان مختلفة. وتحوَّلت من خلال سماتها المرئية المميزة إلى لغة بصرية عالمية يفهمها الجميع. وقد ترسخت عالميتها من خلال “اتفاقية فيينا بشأن لافتات وإشارات الطرق” التي عُقدت في النمسا في عام 1968م والتي وقَّعت عليها 69 دولة معظمها أوروبية إلى جانب دول أخرى من إفريقيا وآسيا. وكان الهدف من ذلك توحيد الإشارات العالمية المختلفة لتسهيل النقل والتجارة الدوليين وتعزيز السلامة على الطرق. وبهذه الأهداف، أصبحت الأمم المتحدة المروّج الرئيس لها.

يمكن لمعظم أشكال لافتات الإرشاد، مثل تلك الموجودة في المطارات أو مراكز التسوق، أن تحمل كثيراً من المعلومات، حيث يوجد متسع من الوقت للتوقف أمامها وقراءتها قبل الانتقال إلى مكان آخر فتكون هي محور التركيز الأساسي مهما طالت مدة التوقف عندها. ولكن، على الرغم من أن إشارات المرور تؤدي في المبدأ الوظيفة نفسها، إلا أنها تستخدم بشكل مختلف عن لافتات الإرشاد الأخرى. إذ لا يمكن التوقف في منتصف الطريق لقراءتها ومن ثم متابعة السير، ومن أجل ذلك، تم تصميمها بمواصفات معيَّنة لتنقل أكبر قدر ممكن من المعلومات من خلال الحد الأدنى من المحتوى، لتصبح قادرة على إعطاء المعلومات الكافية بمجرد إلقاء نظرة خاطفة عليها. فدخل في تصميمها كثير من الأبحاث واستخدم فيها علم النفس والإدراك لاستكشاف الطرق التي تتعرَّف فيها أدمغتنا على الأشكال والألوان والرموز وتفسرها. 

بحلول أوائل القرن العشرين بدأ مؤتمر المنظمات السياحية الدولية في باريس بالنظر في معايير معيَّنة للافتات الطرق.

أسرارها في ألوانها وأشكالها
من المعروف أن الألوان تثير ردود فعل مختلفة في العقل البشري، وبما أن اللونين البرتقالي والأصفر يحفزان في الدماغ مشاعر إيجابية، يتم استخدامهما بشكل شائع في الإشارات التي تقدِّم معلومات عن الأشغال والأعمال على الطرق من أجل تشجيع السائقين على التفكير في ما هو أبعد من الازدحام المروري. 
وغالباً ما ترتبط الألوان الزرقاء والخضراء بالتناغم والسلام، لذلك فهي مفيدة في إشارات الطرق السريعة لأنها تساعد في تهدئة السائقين على هذه الطرق، الذين يقودون بسرعات عالية وحثهم على مراعاة الآخرين. أما اللون الأحمر فيدل على الحذر والخطر، لأن أدمغتنا عادة ما تفسِّر اللون الأحمر على أنه يمثل تهديداً ما، بسبب ارتباطه في عقلنا اللاوعي بلون الدم. وهذا هو السبب في أن عديداً من لافتات الطرق التي تحث على توخي الحذر والتي تشير إلى نقطة تعارض محتملة مع المركبات الأخرى مثل “الطريق مسدود” و”ممنوع المرور” و”قف”، تدمج اللون الأحمر في تصميمها. 

ويمكن أن يكون للأشكال أيضاً تأثير على الاستجابة المعرفية والعاطفية، إذ إن الدماغ يربط زيادة عدد الجوانب في أي إشارة بالخطر. فكلما زاد عدد جوانب الإشارة زاد مستوى الخطر. وحسب تقدير المهندسين، فإن الدائرة، التي تحتوي على عدد لا نهائي من الجوانب، تحذِّر من الخطر وتنبِّه إلى التوقف ولذلك نجد أن علامة “قف” في معظم أنحاء العالم تكون بالشكل الدائري. كما يتم استخدام المثمن، بجوانبه الثمانية، للإشارة إلى ثاني أعلى مستوى من الخطر، لذلك نجد أنه في بلدان أخرى تكون إشارة “قف” أحياناً بالشكل المثمن. أما الشكل المثلث فيستخدم في إشارات التحذير، مثل الإشارات التي تدل على وجود منعطف خطر أو معبر أطفال أو طريق زلق. وبما أن المستطيل هو نفس شكل الكتاب الذي هو متجذر في أدمغتنا كمزود للمعلومات عادة ما تكون الإشارات المستطيلة مخصصة لنقل المعلومات الإرشادية مثل “مكان وقوف لمركبة معاق”، أو “مكان عبور المشاة”. 

تختلف أنواع الأحرف المستخدمة في إشارات المرور باختلاف البلدان، مع أن معظمها يستخدم الخط الكتابي “هلفتيكا” (Helvetica).

صورها ورموزها
التي تساوي ألف كلمة

يقال إن “الصورة تساوي ألف كلمة” في إشارة إلى أن الصور والرموز تنقل المعلومات بسرعة أكبر بكثير من الكلمات، وذلك لأن تفسير الرموز يتم جزئياً بواسطة العقل الباطن، وكذلك لأن الدماغ يعالج الصور والرموز أسرع بحوالي 60,000 مرة من الكلمات. 
وقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن الإشارات التي تحتوي على صور للأشخاص تجذب انتباه السائقين قبل ثانية كاملة تقريباً من اللافتات التي تحتوي على نص فقط. وعلاوة على ذلك، تنشّط الصور التي تظهر الحركة، مثل الأطفال وهم يحركون أرجلهم في المشي، في الإشارات الموجودة بالقرب من المدارس، جزء الدماغ الذي يراقب الحركة، كما أنها تؤدي إلى زيادة ملحوظة في حركة العين أثناء تفحص الطريق بحثاً عن الأخطار، مما يضمن وقتاً أسرع للتوقف في حال حدوث أي طارئ. ويمكن أن تبقى اللافتات التي تعرض صوراً للحيوانات (مثل صور الغزلان أو الجمال الموجودة في الإشارات التي تحذِّر من عبور الغزلان أو الجِمَال) مطبوعة في أذهان السائقين لفترة أطول من مجرد وجود نص تحذيري. وليس ذلك بالأمر المستغرب، إذ إن الرموز والصور يمكنها أن تولد التعاطف لدى السائقين، مما يجعلهم يتوخون الحذر أكثر بالقرب من ممرات المشاة ومعابر الحيوانات ومناطق المدارس وممرات الدرَّاجات. 
وقد تكون بعض الصور ذات فعالية في إثارة استجابة في الدماغ على الرغم من كونها غير صحيحة بالضرورة. فعلى سبيل المثال، عادة ما تتميز اللافتات التحذيرية التي تحذِّر من وجود كاميرا مراقبة السرعة بصورة لكاميرا من طراز يعود إلى القرن التاسع عشر لا تشبه كاميرا مراقبة السرعة الحديثة. ولكن سائقي السيارات يقرأون الرسالة التي تنقلها إليهم على الفور. كما أن جميع إشارات عبور السكك الحديدية تتميَّز بصور للقطارات البخارية القديمة، ولكن على الرغم من ذلك، لا تزال مثل هذه الصور مستخدمة لأنها مرتبطة ارتباطاً جوهرياً في أدمغتنا بالشيء نفسه، أكثر بكثير من بدائلها الحديثة.

أحرف مميَّزة وكلمات مختصرة
تختلف أنواع الأحرف المستخدمة في إشارات المرور باختلاف البلدان، مع أن معظمها يستخدم الخط الكتابي “هلفتيكا” (Helvetica). ومع ذلك، هناك حرص على أن تبقى الكلمات الموجودة على الإشارات، إن كانت هناك حاجة إليها، في حدها الأدنى بحيث تكون محدودة بأسماء المدن والأماكن، وكلمات مثل قف أو (STOP) أو غيرها من الكلمات المختصرة. ولكن المهم أن يكون الحرف المستخدم مقروءاً قدر الإمكان، حتى أثناء تجاوز الإشارة بسرعة 70 ميلاً في الساعة. 
في الماضي، كانت الإشارات على الطرقات تستخدم الأحرف الكبيرة حصرياً. ولكن بعد ذلك وجد المصممون المختصون أن استخدام كل من الأحرف الكبيرة والصغيرة كان أكثر فاعلية في المساعدة على التعرف على الكلمات. وذلك لأن معظم ما نقرأه في العادة يكون في مثل هذا المزيج بين الأحرف الصغيرة والكبيرة وهكذا تكون أدمغتنا أدرى بأشكال الكلمات عندما نراها. 

إشارات المرور
بين البروز والاحتجاب

أما المفارقة الأساسية في إشارات المرور، فتكمن في أنها على أهميتها، وبدلاً من أن تكون مصممة لكي تكون بارزة ومشعَّة وبرَّاقة لكي تلفت أنظار السائقين، فإنها تكون في العادة مصممة خصيصاً لكي تكون ظاهرة ومستترة في آنٍ معاً. بحيث يُفترض في السائقين ملاحظتها وتجاهلها في الوقت نفسه. 
وفي الواقع، توجد بعض الإشارات بالضبط لكي يتم تجاهلها مثل الإشارات التي تخبرنا أن هناك إشارة أخرى قادمة بحيث تكون موجودة فقط لتهيئة عقولنا لما سيأتي. ويطلق على العملية المستخدمة في تصميم مثل هذه الإشارات “التهيئة المفاهيمية” (cognitive priming)، بحيث يكون العمل على مستوى اللاوعي لزيادة تركيزنا وتقليل وقت رد الفعل لدينا. 
وبكل هذه الدقة والغوص في عالم الألوان والأشكال والأحرف والرموز استطاعت إشارات المرور أن تتحدث إلينا بلغتها البصرية الخاصة، وتوجهنا بكل حكمة ودراية من دون أن تقتبس أقوال أفلاطون ولا وليم شكسبير.


مقالات ذات صلة

نرى المدينة ونسمع أصواتها، ولكننا قبل كل شيء نشم رائحتها. فللمدن روائح كما يخبرنا محمود درويش عندما يقول “المدن رائحة.. وكل مدينة لا تُعرفُ من رائحتها لا يُعوَّل على ذكراها”. فروائح المدن تضفي عليها شخصيتها المميزة وتحمل معها قصصاً عن شوارعها وأزقتها ومبانيها وبيوتها لتحدثنا عن ثقافتها وتاريخها وجوانب مختلفة من حركتها التجارية. حتى إن الفيلسوف الألماني جيرنو بوهمي يرى أن “المدينة من دون رائحة هي كالإنسان بدون شخصية”.

من حيث تعريفها، تتعلق التكنولوجيا البيئية ببساطة بتطبيق التكنولوجيا في إدارة النظم البيئية بكفاءة من خلال فهم الأعمال الأساسية للأنظمة البيئية الطبيعية وضمان تأمين الاحتياجات البشرية مع الحد الأدنى من الأضرار البيئية. وتُستخدم التكنولوجيا البيئية على نطاق واسع في البيئات المختلفة، ومن مجالاتها: نظم إدارة النفايات والتخلص منها، محطات معالجة الصرف الصحي المتقدِّمة، المباني الموفرة للطاقة (السكنية والصناعية)، حلول تحويل النفايات إلى طاقة، والمزارع العمودية. 

كأنَّ البشر استفاقوا فجأة واكتشفوا أن لهم أجساماً تستحق كل العناية والاهتمام، وأن يحافظوا على شبابها وقوتها، ويحموها من الترهل وهم شباب علها تبقى هكذا إلى الأبد. لا شك في أن الحفاظ على الجسم شاباً ومحاولة تخليده حُلم قديم، رافق البشر منذ فجر الحضارات. فكان جلجامش، بطل الأسطورة السومرية، أول من بحث عن أكسير الحياة. كما حنّط الفراعنة أجسامهم ليحفظوا وعاء الروح وأدواتها إلى أن يعود إلى الحياة ذات يوم. أما الحضارة الهندية فكانت تعتقد بالتقمص، أي إن الأرواح تغيِّر أوعيتها إلى ما لا نهاية.


0 تعليقات على “إشارات المرور ولغتها البصرية”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *