مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مارس - أبريل 2023

أكثر من رسالة

دور البُعد الجمالي في تعزيز المبادرات الخضراء


د. بدر الدين مصطفى

يمكن تعريف الوعي البيئي بأنّه الشعور بالمسؤولية تجاه البيئة والطبيعة، والقيام بجميع الممارسات التي تساعد على حمايتها والحفاظ عليها، وتوعية الآخرين حول نوعية الأخطار التي تسببها الممارسات البشرية الخاطئة، ومدى خطورتها. وقد أخذت منظّمات عديدة على عاتقها مسؤولية نشر الوعي البيئي في العالم، من خلال إعلام الناس بالمخاطر الناتجة عن ممارساتهم البيئية، وفهم التحديات التي يتعرّض لها كوكب الأرض في مجالات الصحة البيئية، والتنمية المستدامة، والاحترار العالمي، ومحاولة البدء في إصلاح هذه الأخطاء للتقليل من الآثار البيئية الناتجة عنها.

ومعلوم أن نشر الوعي البيئي في المجتمع يلزمه أولًا التزوّد بالفهم والمعرفة الكافِيَين حول القضايا البيئية المختلفة، ويكون ذلك بالاطّلاع على القضايا المتعلقة بالبيئة، وقراءة المنشورات والكتب الخاصة بها؛ لتحصيل المعلومات اللازمة لذلك، إضافة إلى حضور الندوات العلمية، والدورات الإلكترونية، وقراءة المقالات العلمية، وغيرها من الأدوات المعرفية الأخرى؛ حيث يساعد ذلك على اكتساب المعرفة اللازمة، وبالتالي القدرة على إيصال المعلومة الصحيحة وإقناع الآخرين بخطورة القضايا البيئية التي تواجههم، كما يُنصح باختيار القضايا البيئية الأكثر تأثيرًا على المجتمع أولًا، ثم الانتقال من خلالها نحو القضايا البيئية الأخرى؛ فجميع المشاكل البيئية مترابطة ومتشابكة.

المعارف العلمية لوحدها غير كافية

إحدى أجدى الوسائل لتفادي الأخطار التي تواجه بيئتنا هو تعميق الشعور بجمالياتها؛ فثمة احتمال كبير أن البحث عن الجمال قد يشكل حافزًا يبعث على السعي الرائد إلى استعادة نظام بيئي سليم. وهذا يحتاج بالتأكيد إلى نوع من التربية الجمالية، أي أن نصل بالإنسان إلى حالة من الشاعرية تجعله يشعر بأن البيئة جزء من حياته، وهي حالة من الإحساس المرهف تشبه تلك التي تميز الفنانين في تعاملهم مع الطبيعة.
ومن المهم الإشارة إلى أن توجه المملكة نحو البيئة الخضراء، والمتمثل في مبادرة السعودية الخضراء، جاء مواكبًا لتحول معرفي لافت في مجال دراسات البيئة في الآونة الأخيرة، حيث ظهرت بعض الحقول المعرفية البينية التي تتخذ من البيئة موضوعًا لها بهدف ترسيخ مفهوم جديد عنها يؤدي عبر التراكم وعبر العمليات التربوية إلى التعاطي معها بشكل مختلف عما كان سائدًا طوال القرون الماضية. من هذه الحقول الجماليات البيئية التي تسعى إلى ترسيخ فهم جمالي للبيئة المحيطة من شأنه أن يؤدي في النهاية إلى الحفاظ عليها واحتضانها بدلًا من العدوان عليها وإساءة استخدامها، بصرف النظر عن النتائج التي قد تترتب على هذا، وهو المفهوم نفسه الذي أفضى إلى كوارث بيئية أصبحت بمرور الوقت تهدد الحياة على كوكب الأرض.

تُعرّف الجماليات البيئية بأنها حالة من التفاعل العلمي الخاص بين مجالين من مجالات البحث: الجماليات التجريبية، وعلم النفس البيئي. ويستخدم هذان المجالان مناهج البحث العلمية للمساعدة في تفسير العلاقة بين الإنسان وبيئته وانعكاس هذه العلاقة على تكامل ملكاته، ومنها ملكة الذوق والتفضيل الجمالي، وبالتالي كيف يمكن تقويم تلك العلاقة لتحقيق هذا التكامل.

وبالعودة مرة أخرى إلى مبادرة السعودية الخضراء سنجد أن من ضمن أهدافها الرئيسة “رفع مستوى جودة الحياة وحماية البيئة للأجيال القادمة في المملكة العربية السعودية”، وهو ما يتقاطع بصورة قوية مع أهداف الجماليات البيئية، التي تركز على مفهوم جودة الحياة بوصفه “تصور الفرد لمركزه في الحياة في سياق الثقافة وأنظمة القيمة التي يعيش فيها وبالنسبة إلى أهدافه”.

ولا تعني جودة الحياة فحسب الظروف المادية المتعلقة بالحالة الاقتصادية لأفراد المجتمع، بل تشمل أيضًا جودة البيئة المحيطة ومدى تأثيرها على سلامة الإنسان وصحته الجسدية والنفسية. إن جودة البيئة في كل من البيئة الحضرية والبيئة الطبيعية تشمل التأثير المحتمل للعناصر البيئية على الصحة البدنية والعقلية للعناصر البشرية، فمثلًا في البيئة الطبيعية يمكن قياس جودة البيئة عن طريق معرفة مستوى تلوث المياه وتحديد إن كانت المياة ملوثة (غير صالحة للحياة أو الاستعمال المباشر)، أو إذا كانت المياه نقية. أما في الحياة الحضرية، فيمكن قياس جودة البيئة عن طريق تحديد مدى الضوضاء في المدينة الحضرية وتأثيرها على الحياة اليومية للفرد.

لا شك في أن مبادرة السعودية الخضراء ستكون رائدة في مجالها وغير مسبوقة على المستويين المحلي والعالمي؛ لأنها تجمع بين الإجراءات العملية التي دخلت حيز التنفيذ بالفعل، وبين الرؤى التربوية التي تعزز الوعي بأهمية الحفاظ على البيئة من الجانبين الأخلاقي والجمالي


مقالات ذات صلة

البدر والرثاء مُفردتان يصعب الجمع بينهما في المعنى، فالأولى منهما ترتبط في الذهن بحالة كمال وأوج وحضور وتألق، بينما الثانية أقرب إلى الخفوت والاندثار والغياب؛ وكم يغدو هذا الجمع المعنوي أشد صعوبة حين يكون “البدر” اسمَ علم لشخصية بمكانة وتأثير سمو الأمير بدر بن عبدالمحسن، رحمه الله، الذي خيَّم نبأ رحيله الحزين على أجواء المشهد […]

يعدُّ التدريب المهني والتعليم ما دون الجامعي في ألمانيا، المزدهرة اقتصاديًا، سرًّا من أسرار نجاحها وريادتها، فبفضله انخفضت معدّلات البطالة، وارتفعت معدلات التشغيل في الفئة العمرية من 20 إلى 34 لتصل إلى %92.7.

وفي المملكة، يبلغ إجمالي المنشآت التابعة للمؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني أكثر من 260 منشأة، تغطي كافة أرجاء المملكة، في حين يصل عدد المتدربين بمختلف التخصصات إلى أكثر من 240 ألف متدرب.

في ملف العدد (مايو – يونيو 2023م)، من مجلة “القافلة”، كتبت مهى قمر الدين عن ثيمة شغلت الفلاسفة والمفكرين والأدباء والفنانين في كل بقاع الأرض، وعبر مختلف العصور، وهي “الطريق”. والسطور أدناه ليست تعقيبًا على ما كتبته الأستاذة مهى قمر الدين، بل مجرد إضافات إلى موضوع سيسيل مزيدًا من المداد، ويلهب المخيلات مجددًا؛ إذ إن الطريق أو السبيل ليست مجرد ممر يسلكه الإنسان وسائر وسائل المواصلات التي تنقل الناس والبضائع والأفكار، بل سنستعير المفهوم الفلسفي، ونقتفي خطواتنا على طريق أو طرق البحث عن صيغة مثلى للعيش، طريقة للحياة وتحقيق السلام الداخلي أو التصالح مع الذات ومع العالم، ما دامت رحلة الحياة محض سعي حثيث بحثًا عن شيء ما ينقصنا؛ ملأ فراغات نقصان يجبرنا على أن نغادر المكان الأول، والبحث عن انتصار معنوي في “هذه الهزيمة المحتومة التي نسميها الحياة”، كما يَعدُها ميلان كونديرا.


0 تعليقات على “دور البُعد الجمالي في تعزيز المبادرات الخضراء”


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *