مجلة ثقافية منوعة تصدر كل شهرين
مايو – يونيو | 2024

آلات النَّسخ الذاتي


حسن الخاطر

أسَرَت آلات النَّسخ الذاتي خيالنا عقودًا من الزمن، وشكّلت أرضًا خصبة لكتّاب الخيال العلمي، ومصدرًا للانبهار والقلق في الوقت نفسه. ومع أنها ظلَّت حبيسة الخيال فترة طويلة، فإن التطورات الأخيرة في مجال الروبوتات والذكاء الاصطناعي جعلت إمكانية تحققها في المدى المنظور أقرب من أي وقت مضى.

تعود فكرة آلات النسخ الذاتي إلى عالم الرياضيات الهنغاري الأمريكي جون فون نيومان، الذي اقترح في عام 1948م نموذجًا مجردًا لآلات ذاتية التكاثر، تنتج نسخًا عن نفسها. وتوقع أن أنجح وسيلة لاستكشاف المجرة، هو تصنيع آلات النسخ الذاتي، التي باتت تُعرف لاحقًا بـ”آلات فون نيومان”. وتشير التقديرات إلى أن “آلات فون نيومان” تحتاج إلى 300 مليون سنة من أجل استعمار مجرة درب التبانة بأكملها. وقد فتحت فكرته الخيالية، حول التكاثر الذاتي، بابًا استفادت منه الأبحاث العلمية في عدد من المجالات المتنوعة بعد ذلك، مثل: الأتمتة الخلوية، وتكنولوجيا النانو، والكيمياء الجزيئية.

جون فون نيومان أمام آلة النسخ الذاتي

قصص وأفكار خيالية

ألهمت فكرة نيومان كثيرًا من كتّاب الخيال العلمي. ففي عام 1955م، نشر الكاتب فيلب ديك قصة قصيرة في مجلة “المجرة” للخيال العلمي، تصف مصنعًا قادرًا على إعادة إنتاج نفسه عن طريق إطلاق كرات صغيرة معدنية أشبه بروبوتات نانوية ذاتية التكاثر.

وفي عام 1956م، نشر إدوارد مور مقالًا في مجلة “العلوم الأمريكية” حول مفهوم “النباتات الحية الاصطناعية”، وهي آلات تستخدم الهواء والماء والتربة مصادرَ للمواد الخام، وتستخلص طاقتها من ضوء الشمس. وقد اختار شاطئ البحر موطنًا أوليًا لمثل هذه الآلات، نظرًا لما يُتيح لها من سهولة الوصول إلى المواد الكيميائية الموجودة في مياه البحر، والاستفادة منها في استنساخ نفسها.

وفي عام 1970م، اقترح الفيزيائي الأمريكي فريمان دايسون، في محاضرة ألقاها، ثلاثة أنواع من التطبيقات الخيالية واسعة النطاق المتعلقة بآلات النسخ الذاتي. النوع الأول، هو عبارة عن إرسال نظام ذاتي التكرار إلى قمر إنسيلادوس التابع لكوكب زحل، حيث تقوم الآلات باستنساخ نفسها، إضافة إلى تصنيع مركبات فضائية تعمل بالطاقة الشمسية، تكون مهمتها إرسال الجليد من إنسيلادوس إلى المريخ للمساعدة في إعادة تأهيله.

والنوع الثاني، يستخدم الطاقة الشمسية في بيئة صحراوية. فلنتخيّل لحظةً ماذا يحصل لو صُنِّعت روبوتات ذاتية التكاثر قادرة على استغلال المواد الموجودة في الصحراء، خاصة السّليكون وطاقة الشمس، لاستنساخ نفسها وتصنيع الخلايا الشمسية. أمَّا النوع الثالث، فسيساعد الدول في زيادة قدرتها الصناعية.

بعد ذلك في عام 1979م، فكّر دايسون في كيفية صُنع البشر آلة ذاتية التكاثر، يمكنها استكشاف الفضاء بكفاءة تفوق أي مركبة فضائية أخرى. كان دايسون ينتقد مركبات ناسا الفضائية الضخمة والمكلفة جدًا، التي تُرسل بشكل غير متكرر، وفضّل المركبات الفضائية الصغيرة وغير المكلفة والروبوتية، القادرة على استغلال المواد بكفاءة عالية من الأماكن الفضائية التي تزورها بهدف التكاثر الذاتي.

وتخيّل مركبة فضائية تزن حوالي كيلوغرام، وتمثل مزيجًا من البيولوجيا والإلكترونات والذكاء الاصطناعي، وأطلق عليها اسم “أستروتشكن” (Astrochicken). وكان الهدف منها استكشاف الأنظمة النجمية والتواصل مع الحضارات الكونية. كانت فكرته، في منظور ذلك الوقت، تشطح بالخيال إلى أقصى حدوده، لكنها في منظور التقنيات الحالية ليست مستحيلة، بل ممكنة، خاصة في ضوء ما نشهده من تقدم سريع في البيولوجيا التركيبية والذكاء الاصطناعي والدفع الشمسي في الفضاء وتكنولوجيا النانو.

وفي عام 1995م، طوّر كلاوس لاكنر وكريستوفر ويندت، من جامعة أريزونا في الولايات المتحدة الأمريكية، فكرة الروبوتات ذاتية التكاثر؛ لزراعة الصحاري واستخراج المواد الكيميائية اللازمة من تربتها السطحية كمواد لهذا التكاثر. ومع ظهور تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تعزّز احتمال أن ينسخ الذكاء الاصطناعي نفسه بشكل ملحوظ. وقد تمكّن الباحثون من إنشاء هياكل وأجزاء معقدة بفضل الطباعة ثلاثية الأبعاد، وهو ما فتح آفاقًا جديدة لهذه الفكرة. وأصبح ابتكار الروبوتات، التي يمكنها استنساخ نفسها باستخدام تقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، أقرب إلى التحقّق من أي وقت مضى.

التطبيقات المحتملة

تتمتع آلات النسخ الذاتي بإمكانات واسعة للتطبيق في مجالات متنوعة، مثل: التعدين واستكشاف الفضاء والزراعة والتصنيع والطب، إضافة إلى إنجاز مهمات تمثّل خطرًا كبيرًا على الإنسان.

في الفضاء، سوف تقدم هذه الآلات حلولًا ممكنة للهندسة الجيولوجية الفضائية والأقمار الاصطناعية للطاقة الشمسية، وهو ما قد يُسهم في التخفيف من أزمة المناخ العالمية. كما يمكن نشر هذا النوع من الآلات على الكواكب البعيدة أو الأقمار أو الكويكبات؛ بحيث تستطيع استخراج الموارد المعدنية مثل الحديد والنيكل اللازمة لإنشاء نسخ من نفسها وتكوين مستعمرات. والهدف من كل ذلك، هو تأسيس البنية التحتية لنظام بيئي مستدام صالح لسكن الإنسان.

والحال أن هذه الوسيلة تُعدُّ ناجعة لبناء البنية التحتية على القمر، مثلًا. فمن الناحية النظرية، يمكن إرسال آلة ذاتية التكاثر إلى سطح القمر، تستمد طاقتها من ضوء الشمس، وتستفيد من المواد الخام الموجودة على سطحه؛ لاستنساخ نفسها بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد. ثم يُغطى سطح القمر بنسخ من هذه الآلة؛ لحصد الطاقة وإرسالها إلى الأرض، وبناء قواعد قمرية لأغراض أخرى.

والشاهد على إمكانية تحقيق هذه الأفكار الخيالية في المستقبل هو برنامج أرتميس، الذي أطلقته وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا). وهدفه الرئيس هو إنشاء وجود مستدام على سطح القمر. وربَّما تشكّل المزايا الرئيسة لآلات النسخ الذاتي أداة فعَّالة لتطوير الموارد القمرية بشكل مستدام.

وبعيدًا عن القمر والمريخ وتعدين الكواكب، هناك احتمال أن تتمكن آلات النسخ الذاتي من إنشاء موائل فضائية مثل أسطوانات أونيل، وهي مسكن فضائي تخيّله عالم الفيزياء الأمريكي جيرالد أونيل عام 1976م في كتابه “الحدود العليا.. المستعمرات البشرية في الفضاء”، وذلك في نقاط لاغرانج بين الأرض والشمس.

إضافة إلى ذلك، يمكن إرسال مركبة فضائية ذاتية النسخ إلى نظام نجمي مجاور، مثل ألفا سنتوري، واستخراج المواد الخام الموجودة هناك، وإنشاء نسخ من نفسها لإرسالها إلى أنظمة نجمية أخرى. وبهذه الطريقة، يمكن استكشاف المجرة بأكملها، وهو ما يعني إمكانية استخدامها في التواصل مع الحضارات الكونية.

والجدير بالذكر، أن فكرة الروبوتات ذاتية التكاثر حازت اهتمام الباحثين في مشروع “سيتي” للبحث عن حياة ذكية خارج كوكب الأرض، مشيرين إلى أنها ستكون وسيلة فعّالة لاستكشاف الكون. ونظرًا للتقدم الكبير في مجال الروبوتات، فمن المحتمل، كما يعتقد هؤلاء الباحثون، أن تكون مسألة وقت فقط.

الثورة الصناعية الخامسة

يمكن لهذه الآلات ذاتية التكرار أن تُحدث الثورة الصناعية الخامسة. فإذا كانت الثورة الصناعية الرابعة قد دمجت التقنيات الرقمية والبيولوجية والميكانيكية، فإن الثورة الصناعية الخامسة ستُحدث تغييرًا بنيويًا في جميع مجالات الحياة. فالآلة التي عرفناها حتى اليوم، لها عمر افتراضي محدد وتحتاج إلى صيانة مستمرة أو تجديد. أمَّا في عصر آلات النسخ الذاتي، فإن ذلك سيصبح شيئًا من الماضي.

ففي عمليات الإنتاج مثلًا، يمكن للآلات الجديدة استنساخ المصانع باستمرار وتجميع المنتجات المعقدة، ومن ثَمَّ يكون التصنيع أقل تكلفة وأكثر كفاءة. وفي مجال الطب، يمكن نشر الروبوتات ذاتية التكرار داخل جسم الإنسان لاستهداف الأمراض والقضاء عليها، أو إصلاح الأنسجة التالفة واستنساخ أخرى جديدة باستخدام خلايا الجسم الجذعية، أو تقديم علاجات دوائية دقيقة. وبهذه الطريقة، يمكن لهذه الآلات النانوية أن تُحدث قفزة كبيرة في مجال الرعاية الصحية.

إنجازات تطبيقية

في شهر ديسمبر من العام الماضي 2023م، طوَّر فريق من الباحثين بجامعة نيويورك، بالتعاون مع معهد نينغبو تسيشي للهندسة الميكانيكية الحيوية والأكاديمية الصينية للعلوم، روبوتات نانوية مصنوعة من الحمض النووي، ذات قدرة هائلة على التكاثر الذاتي، وقد ذكر الباحثون في ورقتهم البحثية أنها تتكاثر بشكل أُسّي. وتتكون هذه الروبوتات النانوية من أربعة خيوط من الحمض النووي، ويبلغ قطرها 100 نانومتر (النانومتر هو جزء من مليار من المتر). ولتقريب ذلك، يمكن أن تصفَّ حوالي ألف من هذه الآلات النانوية لتتساوى مع سماكة شعرة الإنسان. وسخّر الباحثون الأشعة فوق البنفسجية لدفع عملية التكاثر الذاتي، وتحويل الروبوتات النانوية إلى مصانع مصغرة ذاتية التكاثر.

وتمتلك هذه الروبوتات النانوية إمكانات هائلة في المستقبل لمختلف التطبيقات. إذ يمكن استخدامها في الكشف عن الأمراض، وتوصيل الأدوية مباشرة إلى الخلايا المستهدفة، والتنقل عبر مجرى دم المريض لاستهداف الخلايا السرطانية من دون الحاجة إلى عمليات جراحية.

وهذه الروبوتات النانوية قابلة للبرمجة، ويمكن التحكم فيها لدرء مخاطر التكاثر غير المنضبط.

فمنذ البذور الأولى التي زرعها جون فون نيومان، في منتصف القرن العشرين حتى وقتنا الحاضر، لا يزال تطوير آلات النسخ الذاتي عملية متواصلة من الابتكار والاكتشاف من دون توقف، وستكون لها آثار هائلة في المستقبل.


مقالات ذات صلة

الدراسات التي تتناول الإنسان القديم، وما طرأ عليه عبر التاريخ من تغيّرات جسدية وسلوكية ونفسية، كانت تتعثر نظرًا لصعوبة توثيق السمات المتعلقة بأفراد الحضارات السابقة وشعوبها وأنشطتها المختلفة بالطرق التقليدية. ولكن وسائل الذكاء الاصطناعي المتعددة أسهمت في إعادة النظر في كثير من الأبحاث التاريخية المعنية بدراسة الحضارات السابقة؛ بغية التعرُّف على عادات شعوبها، ووسائل معيشتهم، وطرق تفكيرهم، ومناهج إدارتهم لأمورهم المعاشية، إضافة إلى الكشف عن الاتجاهات النفسية التي سادت في تلك الحقب الماضية. وقد حُدَّ من سيل التكهنات والتخمين والتصور الخاطئ، الذي كان يرافق فيما مضى تدوين التاريخ القديم.

لم يكن العالم صاخبًا كما هو الآن. كانت الأصوات الاصطناعية، التي يحدثها البشر عبر التاريخ مقصورة على بعض الآلات الموسيقية والطبول والأبواق وغير ذلك من الأدوات، التي كانت تُستخدم في مناسبات محددة. لكن عالمنا يشهد اليوم مجموعة كبيرة من أصوات الآلات والمركبات، والأجهزة التي تنقل الأصوات عبر الأثير من كل زاوية في الكرة الأرضية، حتى إنها طغت على الطبيعة نفسها وحاصرت البشر من كل صوب. وإن كان كل هذا قد بدأ مع الثورة الصناعية وتطور التكنولوجيا، فإننا نعوّل اليوم على هذه التكنولوجيا نفسها لحماية البشر والطبيعة من أضرار التلوث الضوضائي.

لأن الممارسات الزراعية الحديثة بعد الثورة الصناعية قد أثرت سلبًا في البيئة، وتسببت في تآكل التربة ومشكلات بيئية عديدة، ظهرت الزراعة العضوية في النصف الأول من القرن العشرين بديلًا للزراعة الرائجة، بهدف إيجاد بدائل مستدامة لاستخدام المبيدات الكيميائية والأسمدة الصناعية والحرث العميق. بمعنى آخر، الزراعة العضوية هي نموذج متطور للنشاط الزراعي يُسهم في الحفاظ على التوازن البيئي. ومن أهم الأهداف التي تسعى إليها الزراعة العضوية، الحفاظ على سلامة التربة وحيويتها.


رد واحد على “آلات النَّسخ الذاتي”

  • ما شاء الله تبارك الله
    كلك إبداع وتميز وإنجاز
    يا أستاذ حسن
    لا زلت لامعا وتثري الساحة العلمية
    بكل مثير وجديد وتبعث حب الاستطلاع
    والبحث لكل متعلم ومعلم.. وفقكم الله..


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *