الملف

الغيمة

  • يحيى البطاط
shutterstock_155428127_contrastedبين الغيمة والحياة أكثر من علاقة، تبدأ بقطرة مطر، ولا يعرف أحد أين تنتهي،... تعدَّدت أسماء الغيمة، وتنوَّعت صفاتها وتباينت مظاهرها، فهي تارة لوحة في قصيدة شاعر جاهلي يرصد من خلالها معنى لحياته المحاصرة بمتاهات الليل والرمل والعطش، وتارة أخرى سحابة إلكترونية تأخذ أبناء هذا العصر المتفلت السريع إلى المستقبل،.. تشد أوصاله المبعثرة، وتسهل حياة أبنائه، وتحتضن أسرارهم. رصدها مفسرو الأحلام وهي تطوف وترعد وتمطر في أحلام الناس، ورسمها الفنانون في لوحاتهم، جعلوها تفكر بنا، وتحرضنا نحن على التفكير بها..
تولع بها ابن آدم، يطاردها، ويستمطرها ويستحضرها..
ظاهرة الغيمة تبدأ بقطرة مطر، ولا تنتهي إلا ببحرٍ شاسعٍ من مفاهيم وأفكار وثقافات.. فسماء لا تزورها الغيوم، لا يعوّل عليها.. وحياة لا تلوِّنها سحابة منذورة للعطش.
في هذا الملف قراءة ثقافية بقلم يحيى البطاط لتجليات الغيمة وآفاقها، وما يقطر من فضائها الرحب.


للغيوم مكانة خاصة بين كل عناصر الطبيعة، وذلك لألف سبب وسبب. فهي من أقدمها في تشكيل ملامح كوكبنا الأرضي. وكل قطرة ماء، سواء أكانت في أجسامنا ودموعنا أم في مجاري الأنهار والينابيع أم في البحار، كانت ذات يوم «غيمة»، وسيأتي يوم تعود فيه مؤقتاً غيمة قبل أن تصبح ماءً من جديد. إنها حلقة لا بد من أن يمر بها أهم عنصر للحياة. ولذا، كان الإنسان منذ أن خُلق على هذه الأرض، يتطلع إلى الأعلى، صوب السماء، ليستطلع في غيومها ما ستكون عليه أحواله تحتها. فما بينه وبين الغيوم التي تظهر وتختفي، علاقة تجاوزت أبعادها المادية، لتتجلى حضوراً صارخاً في الآداب والفنون وكافة مجالات التعبير عن الوجدان الإنساني.

حقيقتها
a2-960w-3clouds-7-15-15لأن لا غيمة تطابق تماماً في شكلها أية غيمة أخرى، ولأن الغيوم متحركة دائماً، فقد بدت دائماً للإنسان «عشوائية» التشكيل والمصير. ومادة للأدب والخيال، أكثر منها مادة للدراسة، فاقتصر علمها قديماً على تصنيف ما هو ممطر منها من غير الممطر، وأطلق على بعضها أسماء مختلفة بقيت غير محددة بدقة حتى القرن التاسع عشر، تاريخ بداية تصنيفها العلمي الحديث.

تتألف الغيوم والسحب من جزيئات ماء وجليد يتراوح قطرها ما بين 1 و100 ميكرون، والهواء الجاف والغبار، وإليها أضيفت في العصر الحديث جزيئات صلبة من أدخنة الصناعات المختلفة. وهي تتشكل، كما هو معروف، من تبخر مياه المحيطات والبحار بفعل أشعة الشمس، فترفع التيارات الهوائية الدافئة والصاعدة هذا البخار إلى الطبقات الجوية الأعلى، وبفعل برودة الطبقات العالية، تتكثف جزيئات البخار، لتصبح غيماً. ولأن كثافة الغيوم هي أقل بما يتراوح بين 10 و100 مرة كثافة الهواء، فإنها تبقى في الأعلى، إلى أن تزداد كثافةً فتتحول إلى نقاط ماء ثقيلة أو حبات بَرَد تسقط على الأرض، وإما تخف كثافتها تدريجاً بفعل الرياح أو الحرارة أو الضغط الجوي المرتفع، فتتبدد في الغلاف الجوي.

91ويقسّم علماء الأرصاد الجوية الغيوم حسب ارتفاعاتها، إلى ثلاثة أقسام:
• الغيوم المنخفضة، التي لا يزيد علوها عن سطح الأرض على 2000 متر.
• الغيوم المتوسطة الارتفاع، التي يتراوح علوّها ما بين 2000 و6000 متر.
• الغيوم العالية، التي يتراوح علوّها ما بين 6000 و12000 متر.

وضمن كل قسم هناك أنواع مختلفة، لكل منها مواصفاته البصرية والفيزيائية الخاصة به، كما هو وارد هنا في الرسم المصاحب.

وقبل الانتقال إلى علاقة الوجدان الإنساني بالغيمة، كما تجلت في الآداب والفنون، يجدر بنا التوقف أمام ما استجد على العلاقة المادية ما بين الاثنين، تحت ضغط الحاجة الحياتية المثيرة للقلق في زمن ينذر بشح المياه في العالم. على الرغم من أن الغيوم ستبقى تتحرك وتمطر في سماء العالم طالما بقيت الشمس والمحيطات.

chemtrail-planeمستقبل الغيمة
يشرح عالم فيزياء المستقبل الأمريكي ميتشيو كاكو، أن حضارتنا الحالية تمضي قدماً في سبيل السيطرة على مصادر الطاقة التي يوفرها كوكب الأرض، وأن القرن الحالي سيشهد تقدماً ملحوظاً في التحكم بالظواهر الطبيعية وتسخيرها لخدمة البشر، حيث سيتمكن الإنسان من الإمساك بالتكنولوجيا التي تتيح له التحكم بالزلازل والأعاصير والأمطار والبراكين والطاقة الشمسية، وحركة الرياح، والطاقة النووية التي ما زلنا نخفق في توجيهها واستخدامها بشكل آمن.. ويواصل كاكو، إن اكتمال عناصر هذه السيطرة سيسمح للبشر الدخول إلى النوع الأول من أنماط الحضارات الكونية، فنحن على حد قوله ما زلنا نتأرجح في النمط الصفري للحضارة الذي يعتمد في مصادره على ما يتوفر لدينا من موارد طبيعية، معظمها غير متجدد.

cloud-seeding-diagramفيزياء الغيمة
وبناءً على هذه التوقعات المستقبلية ستكون السيطرة على الغيوم وتوجيهها أو صناعتها واستمطارها هدفاً رئيساً، للحد من مشكلات التصحر وشح المياه الذي تعاني منه مناطق واسعة من الكرة الأرضية، حيث يعدّ الجفاف مشكلة وجودية لكثير من البلدان، خاصة تلك الواقعة في المناطق الحارة حول خط الاستواء. وقد أدت ظاهرة انحباس المطر في السنوات الأخيرة إلى تفاقم معاناة الشعوب، وتسببت بجملة من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية. ولذا، فإن الأنظار ستتجه مستقبلاً إلى تقنيات الاستمطار، بوصفها أحد الحلول المقترحة لحل مشكلة الجفاف.

يُعرف الاستمطار بأنه محاولة للتحكم بهطول الأمطار من خلال حقن نوع من السحب يطلق عليها السحب الركامية، بمواد كيميائية بواسطة الطائرات أو من خلال أجهزة إطلاق منصوبة على سطح الأرض تستخدم مقذوفات معبأة بمواد تعمل على تحفيز السحب غير الممطرة وجعلها تطلق حمولتها من المياه، مثل يوديد الفضة وثنائي أكسيد الكربون المجمد (الثلج الجاف) وكلوريد الصوديوم (الملح) والبروبان المسال.

يقوم الاستمطار على مبدأ تبريد الغيوم. فالمواد المذكورة تعمل على خفض درجة حرارة السحابة، ما يؤدي إلى تجمد جزيئات بخار الماء وتحولها إلى بلورات سرعان ما تنمو وتصبح ثقيلة لتسقط على الأرض مطراً أو بَرَداً. فدرجة حرارة الجليد الجاف تبلغ 80 درجة مئوية تحت الصفر، وعند حقنه في السحابة تنخفض درجة حرارة بخار الماء، ويتحول إلى بلورات ثلجية تسقط بفعل وزنها. كما تقوم بلورات (يوديد الفضة) بنفس عمل بلورات الثلج الجاف، حيث يتم نشرها بواسطة عبوات تُسمى (شعلات) تعمل على تكوين بلورات الثلج في الغيمة ما يؤدي في النهاية إلى سقوط المطر.

شروط ومخاطر الاستمطار
khaledولنجاح عملية الاستمطار ينبغي توافر مجموعة من العوامل، منها أن تكون السحب ركامية، وتوفّر تيارات هواء صاعدة محمّلة ببخار الماء في قاعدة السحاب تعمل على نثر أملاح التلقيح ورفعها إلى الطبقات العليا من السحابة. وتستغرق عملية حقن السحب من دقيقتين إلى ثلاث دقائق لكل حقنة، ويعتمد عدد الحقن المطلوبة على الطبيعة الديناميكية والفيزيائية للسحاب المستهدف، بالإضافة إلى ضرورة استمرارية الهواء الصاعد داخل السحاب، حيث إن عملية تفاعل السحاب مع هذه المواد تستغرق من 15 إلى 20 دقيقة. كما يتطلب الأمر الحقن بالمواد المحفّزة بكميات وتوقيتات مناسبة.

حققت تجارب الاستمطار نسب نجاح متفاوتة في عدد من الدول. لكن الثابت أن اللجوء إلى تقنيات الاستمطار لم يعد الآن ترفاً أو خياراً، خاصة في ظل المشكلات الناتجة عن تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتكرار موجات الجفاف وزيادة حدتها بشكل لافت خلال العقدين الأخيرين.

4297c42bd3وعلى الرغم من مضي أكثر من نصف قرن على المحاولات الأولى لتقنية الاستمطار، فإنها ما زالت مرتفعة التكلفة وغير مضمونة النتائج، ويجب أن تتوافر لنجاحها شروط بيئية وفنية دقيقة، بالإضافة إلى غياب البيانات والضمانات حول نجاحها وجدواها الاقتصادية. إذ ما زالت نسب النجاح كما تشير التقارير العلمية تتراوح بين 10 و%70.

إن أخطر المشكلات المترتبة على الاستمطار بالحقن، هو مدى تأثير المواد الكيميائية المستخدمة في عملية بذر أو تلقيح السحب سلباً على صحة الإنسان والحيوان والبيئة، حيث تتزايد المخاوف من تسرب مادة يوديد الفضة السامة إلى المحاصيل الزراعية أو مياه الشرب.

8272-1وفي الوقت الحاضر تعمل حوالي أربعين دولة حول العالم على تطبيق تقنية الاستمطار من أجل تعديل الطقس أو تحسين مواردها المائية، منها الولايات المتحدة والصين وروسيا وتايلند، ومن الدول العربية تعدّ المملكة العربية السعودية والإمارات وعُمان والمغرب والأردن وسوريا، من الدول التي اهتمت بتجارب الاستمطار. وكانت المملكة العربية السعودية أطلقت مشروعاً لتجارب فيزياء السحب في منطقة عسير عام 2006م، وبعد نجاح التجربة تم تعميمها في المنطقة الوسطى (الرياض، وحائل، والقصيم).

وأطلقت الإمارات العربية المتحدة في عام 2005م برنامجاً بحثياً دولياً، يهدف إلى تطوير علوم الاستمطار وتقنياته وتطبيقاته. وقد نجح البرنامج عند إطلاقه في اجتذاب كبار المهتمين على المستوى العالمي، حيث شهدت دورته الأولى مشاركة 325 عالماً من 151 جهة حكومية وخاصة.
الغيوم علماً وأدباً
664px-luke_howard_blue_plaqueحتى بداية القرن التاسع عشر لم تكن هناك أدنى فكرة عن أنواع الغيوم وأسمائها. كانت تبدو مجرد تكوينات عشوائية عصية على التصنيف. غير أنه في شهر ديسمبر من عام 1802م، ألقى شاب بريطاني اسمه لوك هوارد، يهوى الأرصاد الجوية، (1772-1864)م محاضرة في لندن تحدث فيها عن أنواع الغيوم وصفاتها، مطلقاً عليها الأسماء التي ما زالت متداولة حتى اليوم.. الركامية، السمحاقية، الستراتوس.وبعد مرور أكثر من سنوات عشر، نشرت المحاضرة في حولية الفيزياء الألمانية (Annalen der Physik) تحت عنوان «مقال حول تعديل الغيوم».. قرأ تلك المقالة الشاعر والفيلسوف الألماني يوهان فولفغانغ غوته (1749-1832)م الذي كان يومها مديراً لمعهد الفنون والعلوم في دوقية سكسونيا، ومهتماً بالغيوم ودراساتها، ولديه حولها أفكار وقصائد.كان غوتة ينوي استحداث محطة للأرصاد الجوية لجمع البيانات ورصد حالة الطقس، وعندما اطلع على تلك المقالة أعجب بها أيما إعجاب. وعدّها بأفكارها الجديدة ومنهجها العلمي التجريبي، منعطفاً جديداً في حقل مجهول.. كان متحمساً لإنجاز هوارد، بوصفه رجلاً رائداً في مجال الأرصاد الجوية، لم يسبقه إليه أحد.والتقط الكاتب البريطاني ريتشارد همبلين هذه الثيمة، وسرد كل هذه التفاصيل وسواها في كتابه «اختراع الغيوم – كيف استطاع هاوي الأرصاد الجوية أن يقرأ لغة السماء»، الذي يحكي قصة المصنّف الأول للغيوم.يكتب همبلين: «حدث تقدم علمي غير مسبوق وغير عادي في السنوات الأولى من القرن التاسع عشر عندما أطلق لوك هوارد الأسماء على السحب والغيوم، من خلال منهجية علمية لتحديد هيكلية الغيوم التي كانت حتى ذلك الوقت عشوائية ومجهولة.. لقد حازت ثورة هوارد في علم الأرصاد الجوية على إعجاب معاصريه في الفن والأدب والعلم، أمثال غوتة وشيلي، وكولريدج، وكونستامبل».ويضيف: «بالنسبة لغوته كان تحديد وتسمية الغيوم ليس إلا إعادة صياغة للعلاقة بين البشر والطبيعة الجوية. لقد تم إطلاق الغيوم في الوعي العلمي، إضافة إلى اتصالها بالفكر الخالص».

ومعروف أن للشاعر والفيلسوف الألماني غوته نظرات وأفكاراً لفهم الطبيعة. وهذا ما يفسر حماسته لمخطوطات هوارد، بوصفها المحاولة الأولى، لتأسيس منهج تجريبي لدراسة الغيوم. ونتيجة لذلك، كتب غوته قصيدة «على شرف هاوارد» عام 1821م، جاء فيها:

61etavzxwjl«أعطى هوارد بعقله الجميل..
دروساً جديدة لكل الجنس البشري
عن تلك التي لا يمكن أن تصلها يد،
ولا يمكن ليد أن تشتبك بها
هو الأول الذي فاز،
والأول الذي أدرك..
عرف المشكوك فيه،
ورسم الخطوط على حدوده،
ثم، بلباقة أطلق عليه الأسماء.
لك الشرف أيها المجرب»..

لقد أعاد ريتشارد همبلين في كتابه (المذكور آنفاً) الحياة لرائد الأرصاد الجوية، والأب الروحي لعلم فيزياء الغيمة لوك هوارد، وسلط الضوء على العلاقة العميقة بين العلم والأدب والفن..


مدافع الليزر
439736787_1280x720في عام 2010م أعلن فريق علمي من جامعة جنيف في سويسرا عن تجربة تستخدم فيها آلية جديدة للاستمطار، وأكد أنه يمكن تشكيل السحب وإنزال المطر بواسطة مدفع يطلق نبضات ليزرية قوية من الأشعة تحت الحمراء، ويعمل هذا الشعاع على تأين الهواء، مما يؤدي إلى تكثف بخار الماء ونزول الأمطار.

وقد تم بالفعل توجيه نبضات ليزرية من الأشعة تحت الحمراء يبلغ طولها الموجي 800 نانومتر، إلى ارتفاع 60 متراً فوق مدينة برلين، وعلى الرغم من أنه لم تسقط أمطار في تلك التجربة، غير أن أجهزة القياس أكدت حصول تكاثف في جزيئات الماء.. حيث تعمل الأشعة على تأيين جزيئات الهواء وتكوين جذور الهيدروكسيل، التي تحفّز ثنائي أكسيد الكبريت وثنائي أكسيد النيتروجين لتكوين النويات التي ستتجمع عليها قطرات الماء، أي إن عملية الحقن ستكون ذاتية، وتؤدي بالنتيجة إلى نزول المطر.

يقول الدكتور جيرومي كاسباريان أستاذ فيزياء الأجواء وأحد أعضاء الفريق في مشروع الاستمطار بجامعة جنيف: «إن تجارب استخدام شعاع الليزر ما زالت جديدة، ولكي نعرف كيف تجري الأمور، علينا أن نفهم أولاً أن التكاثف يتطلب أمرين: الرطوبة أو بخار الماء، والسطح الذي تجري عليه عملية التكاثف. وفي حالات معينة يكون هذا السطح مفقوداً في الأجواء، وهذا يعني أن بخار الماء متوفر ولكن دون أن تتوفر إمكانية التكثيف، وهذا ما يقوم به شعاع الليزر، حيث يعمل على توفير الوسط أو السطح الذي يتكاثف عليه بخار الماء من خلال تأيين الهواء وتكوين بلورات صغيرة من أكاسيد الكبريت والنيتروجين».

joseph_mallord_william_turner_024وكان فريق جامعة جنيف قد أجرى تجاربه الأولى في صندوق زجاجي مغلق، أطلق عليه اسم غرفة الغيمة (cloud chamber)، مملوء ببخار الماء بدرجة حرارة 24 درجة مئوية تحت الصفر، سلطت عليه نبضات ليزر أشعة تحت حمراء بقوة 220 مللي جول في 60 فيمتوثانية، ما أدى إلى تكاثف البخار وتحوله إلى ماء نزل في قعر الصندوق الزجاجي. ولكي يتم نقل هذه التجربة من المختبر إلى سماء الواقع سيتطلب الأمر مدافع ليزرية ضخمة، ذات طاقات عالية تقدَّر بقوة 1000 محطة كهربائية لتحقق هدفها وتجعل السماء ملبدة بغيوم ممطرة!

يبدو الأمر أشبه بمشهد في أحد أفلام الخيال العلمي، لكن من يدري، قد يتحقق هذا الحلم يوماً ما، ويستطيع البشر إنزال المطر في الزمان والمكان المناسبين... فما زال الأمر يحتاج إلى سنوات طويلة ودراسات وجهود وأموال، من أجل مستقبل سعيد للسحاب.

تأرجحت بين الصورة والرمز
الغيمة في الشعر العربي القديم والحديث

أنتجت الغيمة أدباً كثيراً في الثقافة العربية شعراً ونثراً. فحياة الصحراء يطاردها العطش في كل زاوية من زواياها، وستكون السحابة، الملاذ الذي ينجي المرء من الموت، إن لم تكن هي المصدر المهم والوحيد للنجاة.

لذا ارتبطت الغيمة في لغة الشاعر العربي القديم بعناصر الحياة والأمل، وبذل وقتاً وجهداً في تأملها ووصفها وقراءة ملامحها وما يمكن أن تغدقه عليه من نعم وفرح. فهو ينصت إلى رعدها وأزيز الرياح التي تسوقها ويقرأ أفكارها ونياتها. لقد جعل الشاعر العربي من الغيمة كائناً حياً يفكر ويغضب ويعطي ويسلب.. وأنتج هذا التوحد الوجداني والنفسي أدباً جميلاً ظلّ يفرض نفسه عبر قرون طويلة.

سحابة كحصان أبلق
0930f_mag_40pفي واحدة من الصور الممتعة في وصف الطبيعة، تعد لوحة الشاعر الجاهلي أوس بن حجر (530-620)م في وصفه للسحاب، نموذجاً للعلاقة بين ابن الصحراء وبيئته. ففي قصيدته التي يستهلها بقوله:
«ودّعْ لميسَ وداعَ الصّارمِ اللاحِي»
يستغرق ابن حجر في تصوير مشهد ليلي في الصحراء المسكونة بالوحشة والترقب وانتظار الأمل بالأرق، إذ يعاني الشاعر المكلوم بوداع حبيبته الجاحدة، وثمة سحابة تلوح في الأفق المعتم، يضيئها البرق بين حين وآخر، فينكشف جانبٌ منها سرعان ما تلتقطه مخيلته وتبث فيه الحياة، بل وتضفي عليه فعلاً درامياً يرتبط بمصيره، ليشكِّل مشهداً فنياً متكامل العناصر.

يصف أوس بن حجر السحابة بأنها قريبة من الأرض تدفعها الريح باتجاه الجبل، فيكشفها البرق في العتمة كما تنكشف خاصرة الحصان الأبلق حين يرمح، ومع حركة ريح الجنوب المحملة بالمطر، يزمجر صوت عنيف، فيضيق الغيم ذرعاً بما يحمله من ماء، يسيح ويكتسح كل ما يواجهه على الأرض...

يا مَنْ لِبَرْقٍ أَبِيتُ اللّيلَ أَرْقُبُهُ
في عارِضٍ كَمُضيءِ الصُّبحِ لَمَّاحِ
دانٍ مُسِفٍّ فوَيقَ الأرْضِ هَيْدبُهُ
يَكاد يَدفَعُه مَن قام بِالرَّاحِ
كَأنَّ رَيِّقَهُ لَمَّا عَلا شَطِبًا
أقْرَابُ أبْلَقَ يَنْفي الخَيْلَ رَمَّاحِ
هَبَّتْ جنوبٌ بأعلاهُ ومالَ بهِ
أعجاز مُزْنٍ يَسُحّ الماء دَلاَّحِ
فالْتَجَّ أعْلاه ثُمَّ ارْتَجّ أسْفَلُه
وَضَاقَ ذَرْعًا بحمْلِ الماءِ مُنْصَاحِ
أوس بن حجر

5d8c4723adf5f29320c30106c54603d8ولامرئ القيس (520-565) م، وهو شاعر معاصر لأوس بن حجر، لوحة شعرية مشابهة عدَّها النقاد والشعراء العرب القدامى، ومنهم الشاعر الأموي ذو الرمة، من أشعر ما قالته العرب في وصف السحاب والغيث.

تبدأ القصيدة بالحديث عن سحابة قريبة من الأرض مترعة بماء كثير، يصفها بـ (الهطلاء، وفيها وطف، وطبق الأرض) وكما يبدو من يقوله شعراً، أنها سحابة حبلى بمطر كثير، قادرة على انتزاع وتد الخيمة من الأرض، ستغرق شجيرات الصحراء اليابسة حتى لا يظهر منها سوى رؤوسها التي تشبه العمائم، ولم تمضِ سوى ساعة حتى انهمر وابل من المطر الشديد كالموج الذي انفجر واكتسح كل شيء في طريقه، ولم يسعف الشاعر من جنون هذه السحابة سوى حصانه الذي يصفه بأنه ضامر الإطلين محبوك وقوي.

يقول امرؤ القيس واصفاً سحابته:
ديمــة هطـلاءُ فيـها وطـفٌ طبـقَ الأرض تجــرَّى وتـدرّ
تُخـرِجُ الوِدَّ إذا ما أَشْـجَذَتْ وَتُـورايــهِ إذا ما تَشــتَـكِـر
وَتَـرَى الضَّـبَّ خَفِيـفاً مَاهِراً ثـانيــاً بـرثنـهُ ما ينعفــــر
وَتَــرَى الشّـَجْـرَاءَ في رَيِّقِــهِ كَرُؤوسٍ قُطِعَتْ فيها الخُمُرْ
سَــاعَة ثُمّ انْتَحَـــاهَا وَابِــلٌ سـاقط الأكناف واهٍ منهمر
رَاحَ تَمْرِيهِ الصّــَبَا ثمّ انتَحَى فيه شؤبوبُ جنوبٍ منفجر
ثَـجّ حَـتى ضَـاقَ عَـنْ آذِيّـــهِ عرض خيمٍ فخـفاءٍ فيسرُ
قد غـدا يحمـلني في أنفـــه لاحقُ الإطلين محبوكٌ ممر

سحابة تعانقها القلوب
17827_h550w916gt-3ظلت الغيمة والسحابة موضوعاً قريباً من مخيلة الشاعر العربي، أليفاً إلى نفسه، يتلذذ بوصفه، ويتفنن في إتقان رسم مشاهده.
فهذا أبو تمام ينشد لسحابة واعدة بمطر غزيز، يستغيث بها الثرى الحزين، يسعى إليها المكان الجديب، بل حتى القلوب لو استطاعت لعانقتها من فرط ما لذّ ماؤها وطاب رحيقها:
ديمة ســمحة القــيادِ ســكوبُ مستغيثُ بها الثرى المكروبُ
لو سعتْ بقعة لإعظــامِ نعمى لسعى نحوها المكانُ الجديبُ
لـذَّ شــؤبوبها وطــــابَ فلـــــــو تسطيعَ قامتْ فعانقتها القلوبُ

ويدلو الشاعر الأموي ذو الرمة بدلوه حين ينشد لدار مية على طريقة النابغة الذبياني (يا دار مية بالعلياء فالسند) حين يدعو لها بالمطر من كل سحاب حالك متراكب ذي رعد يجلو السماء ببرق يتواصل بلا انقطاع:
يا دارَ ميةَ بالخلصاءِ فالجرد
سقيًا وإن هجتِ أدنى الشوقِ للكمدِ
من كل ذي لجبٍ باتت بوارقهُ
تجلو أغر الأعالي حالِكَ النضد
مجلجلَ الرعدِ عراصًا إذا ارتجست
نوء الثريا به أو نثرةُ الأسدِ

ومن الشعراء الأندلسيين الذين رسموا صورة جميلة للغيم، الشاعر ابن زيدون، في قوله:
وغمــام هطــــلٍ شــؤبوبه نادم الروض فغنى وسقى
خلــع البــرق على أرجــــائه ثوبَ وشــــي منــه لمَا أبرقا
وكأنّ الريــح إذا هبّـــت لــه طيّرت في الجو منه عقعقا

ورأى أبو العتاهية في الغيوم غير الممطرة خير مادة لتصوير الخيبة:
وبعضُ الوعودِ كبعضِ الغيومِ قويُ الرعودِ شحيحُ المطر

cypress-trees-clouds-hills-famous-van-gogh-landscape-repro-oil-painting-5c42a38e989e4caac219453502d94461غيوم اليوم غير ما كانت عليه
ونرصد في القصيدة العربية الحديثة تحولات جذرية في تناول ثيمة الغيمة، منذ مغامرة شعراء المهجر في نهايات القرن التاسع عشر، واندفاعاتهم الرومانسية المبكرة، وحتى وقتنا الحالي الذي شهد تحولات بنيوية وأسلوبية، تداخلت فيها أنواع أدبية وامتزجت حقول ثقافية، جمعت بين ما هو شعري ونثري وسردي في منظومة واحدة.

ظلت الغيمة ثيمة ذات طاقة عالية في الأداء الشعري، إلا أن طرائق التناول والمعالجة انحرفت كثيراً عما ألفته القصيدة الكلاسيكية، بسبب تشكل ذائقة شعرية جديدة اهتمت بالبحث عن انزياحات غير متوقعة. ويأتي في مقدمة أسباب هذا التحول، التأثر بالشعريات الغربية الوافدة على القصيدة العربية، فلم تعد الغيمة موضوعاً مستقلاً بذاته، يسلط الشاعر عليه مجساته ويلتقط تقلباته ويمتزج به ليكون جزءاً لا يتجزأ من المشهد الذي ظل رهيناً بحاجة الشاعر العربي القديم للمطر بوصفه ملاذاً للأمان واستمرار الحياة، بل أصبحت الغيمة استعارة أو قناعاً، يلوذ به الشاعر ليعبِّر عن مزاجه الشخصي، وهنا ستخسر الغيمة خواصها المائية الرطبة التي تحمل الوعد بالحياة والخصوبة، لتحل محلها غيمة من طبيعة أخرى تقترن بالحزن الداخلي الذي يهمين على روحه.

97يقول الأمير الشاعر خالد الفيصل:
كل ما كفّ المطر واقفَى السّحاب
زاد شـوقـي للـسّـحـاب وللـمطـر
والله إنِّي ما احتمل طول الغياب
جـفّـت الغـدران واصفرّ الخضر

فإن كان من الممكن أن نقرأ هذين البيتين بمعناهما الحرفي، فمما لا شك فيه أنهما ينطويان أيضاً بشكل مبطن على معنى الغياب، أي غياب نفتقده في حياتنا.

يقول إيليا أبو ماضي في قصيدة بعنوان «العنقاء»:
وأتى الشــتاء فلم تكن في غيــمه الباكي، ولا في رعده المتفجع
ولمحت وامضـة البـروق فخلتــها فيها، فلم تك في البروق اللمّع
حتى إذا نشر القنوط ضبابه فوقي، فغيّـــبني وغيّــــب موضـــعي
عصـر الأسى روحي فسالت أدمعاً فلمحتها ولمستها في أدمعي
وعلمت حين العلم لا يجدي الفتى أنّ التي ضيّعتها كانت معي!

وقد يكون أبو ماضي أكثر الشعراء العرب في العصر الحديث تطلعاً إلى الغيوم التي كثيراً ما احتلت صدر البيت الأول في قصائده، كما هو حال قصيدته «عطش الأرواح» التي تبدأ بقوله:
زحزحتْ عن صدرِها الغيمَ السماءُ وأطلّ النورُ من كهفِ الشـــتاء
فالروابــــي حـــــللٌ من ســـندسٍ والســـــواقي ثـــرثـرات وغنــاء

أو قصيدته «المساء» ومطلعها:
الســحبُ تركضُ في الفضاءِ الرحـــبِ ركـــضَ الخائفين
والشمــسُ تبـــدو خلفَهـــا صـــفراءَ عاصــبةَ الجَبين

كما تحضر الغيوم عند الشاعر حتى من دون أن يسميها، كما هو الحال في مطلع قصيدته الشهيرة «ابتسم»:
قال الســـماءُ كئيــــــبةٌ وتجَهّمــــا قلتُ ابتسمْ يكفي التجهّمُ في السَما

103وفي قصيدة بعنوان «المساء» لخليل مطران، نجد صورة رائعة للغيم ذات بُعد رمزي ووجداني حزين:
والشـــمسُ في شفقٍ يسيلُ نُضَارُهُ فَوقَ العقيقِ على ذُرىً ســوداءِ
مــرَّتْ خــلالَ غمامتيــنِ تحـــــدُّراً وتقطَّـــرَتْ كالدمعـةِ الحمـــراءِ
فكــأنّ آخـــرَ دمعــةٍ للكــونِ قــد مُزِجَتْ بآخـرِ أدْمُعِـــي لرثائـــي

ويمكننا أن نختتم الأمثلة الكثيرة حول رمزية الغيوم في الشعر المعاصر، بالإشارة إلى قصيدة نزار قباني المغناة «كلمات»، حيث يقول:
يأخذني من تحـتِ ذراعي
يزرعني في إحدى الغيمات
والمطـرُ الأسـودُ في عيني
يتساقـطُ زخاتٍ.. زخات

فلا الغيمات هنا هي فعلاً غيمات ولا المطر الأسود هو كذلك. فبين غيمة القصيدة العربية القديمة وغيمة الشعر الحديث، فراق على مستويين: شكلي وموضوعي، الأول يتعلق بزاوية النظر، فهي هناك في بيئة الصحراء موضوع قائم بذاته، يستدرج الشاعر إليه ويخضعه لقوى الطبيعة. فالشاعر الجاهلي ظل منبهراً بغيمته، رافعاً من شأنها خاضعاً لسحرها. وهي هناك في القصيدة الجاهلية مشهداً عريضاً يتسع للحياة برمتها، يجتهد في تصويره للغيمة، وفي وصفه لأفعالها وتحولاتها لأن ذلك العمل يقع في صلب مهماته الشعرية.. بينما يتجه الشاعر في القصيدة الحديثة، إلى الرمز الذي توفره دلالات الغيمة، إلى استعارتها من سياقها، والتعكز عليها، واستخدام ظلالها، ليعكس من خلالها مزاجه وقناعاته وفلسفته وأحزانه...

أسماء الغيم في اللغة العربية
sky-above-clouds-iiiولدت اللغة العربية في بيئة صحراوية أو شبه صحراوية، جافة، حارة صيفاً باردة شتاء، لا أنهار فيها، أمطارها غير مضمونة، وتشح المياه في معظم أجزائها.

هذه البيئة الصحراوية عكست تأثيرات عميقة في بنية اللغة العربية، ومفرداتها، وستشكل الغيمة بوصفها واحداً من المصادر القليلة والمهمة للمياه، موضوعاً يستهلك كثيراً من الجهد اللغوي والأدبي في هذه اللغة العريقة. ووجدنا هذا الجهد يتكرر في مفردات مثل الناقة والخيمة والليل والمطر والسيف، حيث ترافق كل مفردة قائمة طويلة من المترادفات اللغوية التي تلاحق أدق التفاصيل وأعمقها.

وبالمنطق نفسه لحقت بالغيمة أسماء وصفات كثيرة، شكلت ظاهرة ثقافية تسلط الضوء على العطش الصحراوي الذي وجد متنفسه الوجداني والنفسي في هذا الكائن السحري الذي نطلق عليه اسم الغيمة.

لا نعرف اليوم كثيراً عن أسماء الغيم وصفاته وحالاته. فقد ابتعدنا كثيراً عن الطبيعة، ووهنت علاقتنا بحالاتها ومزاجها. قد نستعمل على الأقل اثنين أو ثلاثة أسماء للغيم هي الغمام والسحاب والمزن.. لكن قليلاً منا يعرف أن العارض، والمكفهر اسمان آخران من أسماء الغيم، بالإضافة إلى عشرات الأسماء والصفات التي اختفت في بطون الكتب بعد أن ابتعد الناس عن استخدامها في أحاديثهم وكتاباتهم وأدبهم.

هذا التنوع اللغوي لم يأتِ من عبث، أو لمجرد أن العربي يعجبه إطلاق الأسماء على عواهنها، بل يعبِّر عن اهتمام بالغ بظاهرة الغيمة، ومراقبة دقيقة ومتفحصة لحالاتها. فابن الصحراء يهمّه أن يعرف بدقة ما إذا كانت الغيمة التي فوق رأسه سترفده بالماء، أم أنها مجرد شيء عابر لا طائل من ورائه.. وقادته هذه المعرفة إلى بناء علاقة وثيقة بالغمية وحالاتها.

وما هذا الذي يبدو كأنه إفراط لغوي في التسمية والوصف إلا تعبيراً عن حاجة ملحة وعميقة تمس حياة العربي في بيئته القاسية.. إنها نوع من الغنائية اللغوية التي تقترب من التوحد والانسجام الكامل مع عناصر الطبيعة.

نقرأ لأبي منصور الثعالبي (ت 429 هـ) في فقه اللغة تفصيلاً مشوقاً عن الغيمة وأسمائها وصفاتها، حيث يقول:

«أوّل ما ينشأ السحاب، فهو نشء، فإذا انسحب في الهواء، فهو السحاب، فإذا تغيرت وتغممت له السماء، فهو الغمام، فإذا كان غيم ينشأ في عرض السماء فلا تبصره، وإنما تسمع رعده، فهو العقر، فإذا أطلّ وأظلّ السماء، فهو العارض، فإذا كان ذا رعد وبرق، فهو العرّاص. فإذا كانت السحابة قطعاً صغاراً متدانياً بعضها من بعض، فهي النّمرة، فإذا كانت متفرّقة، فهي القزع...، فإذا كانت قطعاً كأنها قطع الجبال، فهي قلع، وكنهور (واحدتها كنهورة)، فإذا كانت قطعاً رقاقاً، فهي الطّخارير (واحدتها طخرور)... فإذا غلظ السحاب وركب بعضه بعضاً، فهو المكفهرّ، فإذا ارتفع ولم ينبسط، فهو النّشاص، فإذا تقطع في أقطار السماء وتلبّد بعضه فوق بعض، فهو القرد، فإذا ارتفع وحمل الماء وكثف وأطبق، فهو العَمَاء، والعَمَاية، والطَّخاء، والطَّخاف، والطَّهاء، فإذا اعترض اعتراض الجبل قبل أن يطبق السماء، فهو الحبيُّ، فإذا عنّ، فهو العنان، فإذا أظل الأرض فهو الدَّجن، فإذا اسودَّ وتراكب، فهو المُحمومي، فإذا تعلَّق سحاب دون السحاب، فهو الرَّباب، فإذا كان سحاب فوق سحاب، فهو الغفارةُ، فإذا تدلَّى ودنا من الأرض مثل هدب القطيفة، فهو الهيدبُ، فإذا كان ذا ماء كثير، فهو القنيف، فإذا كان أبيض، فهو المزن، والصَّبير، فإذا كان لرعده صوت، فهو الهَزيم، فإذا اشتدَّ صوت رعده، فهو الأجشُّ، فإذا كان بارداً وليس فيه ماءٌ، فهو الصُّراد، فإذا كان ذا صوت شديد، فهو الصَّيّب، فإذا أهرق ماؤه، فهو الجهام وقيل بل الجَهاَم الذي لا ماء فيه».

تحولات الغيمة في اللوحة التشكيلية
عندما تصبح الغيمة ثيمة مركزية تفرض هيمنة بصرية على فضاء اللوحة، لا يخلو الأمر من مغامرة تشحذ مخيلة المتلقي، وتضعه في موضع التساؤل والتأمل والدهشة معاً.

إن اللوحة التي تقدِّم منظراً للغيوم أو (cloudscape) تنتمي إلى نوع من لوحات المنظر الطبيعي (landscape) التي تُعنى برسم الطبيعة، وبذا فإن لوحة (منظر الغيوم) تعبير يقصد به رسم المشاهد الطبيعية التي تتضمن الغيوم بشكل رئيس، وقد يستخدم تعبير منظر السماء (skyscape) للتعبير عن المناظر الطبيعية التي تحتوي على مشاهد للسماء الملبّدة بالغيوم أيضاً. وبشكل عام قد تتضمن لوحة منظر الغيوم مشاهد أرضية في الغالب من أجل تحقيق التوازن البصري للعمل الفني، أو لضبط اتجاهات وأبعاد اللوحة، والحصول على المنظور المناسب.

البواكير
ظهرت الغيوم في اللوحة الأوروبية منذ عصر النهضة، وبقيت لفترة طويلة مرتبطة بشكل أساسي بفضاء موضوع مستوحى من الأدب والأساطير. غير أنها حملت في أكثر من مناسبة خطاباً يتجاوز البعد التزييني. ففي بعض اللوحات التي رسمها الفرنسيان واتو وفراغونار في القرن الثامن عشر، وتمظهر فيها شخصيات من الأرستقراطية الفرنسية تلهو في حدائق قصر فرساي أو غيره، نرى السماء ملبدة بغيوم سوداء تتناقض مع طابع البهجة الذي يفترض أن يميّز المشهد. الأمر الذي أجمع النقاد على قراءته أنه كان إنذاراً من الفنانين لهذه الأرستقراطية اللاهية، بقرب تغير الأحوال وهبوب رياح التغيير (الثورة الفرنسية).

ويحدث أن تكون لوحة (منظر الغيمة) معقدة للغاية، كما ظهرت في أعمال الفنان جوزيف تيرنر (1775-1851)م، الذي رسم لوحات لمشاهد طبيعية محتدمة وعنيفة تلعب السحب والغيوم فيها دور البطولة. ففي أعماله (مرفأ كالي، حطام سفينة، أمواج شاطئ نورثمبرلاند، قوارب هولندية في غيل) وهي مناظر طبيعية، تتميز بطاقة انفعالية كبيرة، تشكِّل السحب الكثيفة المحتدمة أكثر من نصف مساحة اللوحة، ما يجعل العمل برمته يخضع لفعل طبيعي دراماتيكي عنيف مصدره السماء. فثمة قوة هائلة نازلة من الأعلى باتجاه أسفل اللوحة، تكاد تسحق كل شيء.. وعلى الرغم من أن غيوم تيرنر تبدو واقعية جداً، لكن لو تم النظر إليها بمعزل عن المشهد العام للمنظر الطبيعي، فإنها ستبدو أعمالاً تجريدية بجدارة. وقد تشكِّل وحدها نماذج ناجحة.. كما يظهر في لوحته الجميلة «عاصفة ثلجية» حيث تحتل العاصفة مساحة اللوحة بالكامل، وتغمرها بانفعالات السحب في كل نقطة. فمن يستطيع أن يرى تفاصيل العاصفة وهو قابع في أعماقها؟ لقد منحنا تيرنر هذا الإحساس النادر..

والتفت بعض النقاد الغربيين إلى لوحات منظر الغيمة في القرن التاسع عشر، واعتبروها بمنزلة البواكير الأولى للاتجاه التعبيري والتجريدي في الفن التشكيلي الغربي، وهما الاتجاهان اللذان تبلورا في بدايات القرن العشرين، وسيفرضان لاحقاً حضوراً طاغياً في الفن التشكيلي حتى اليوم. فقد شكلت لوحة الغيم التجريدية بحسب هؤلاء النقاد امتداداً لأعمال كلاسيكية مثل لوحات تيرنر وسواها، كما في منجز الرسامة الأمريكية هيلين فرانكنثيلر (1928-2011)م، وعملها التجريدي كتاب الغيم.

nizar_qabbani_02المزاج الفني للغيمة
وبشكل عام، يمكننا القول إن الغيمة خضعت لتبدلات المزاج التشكيلي الأوروبي، فقد أصبحت غيمة وحشية في أعمال الوحشيين، وتعبيرية في أعمال رواد التعبيرية، وسريالية في لوحات السرياليين، وغيمة تجريدية لدى التجريديين..

فالفنان البلجيكي السوريالي رينيه ماغريت (1898-1967)م كان من بين أكثر أبناء جيله ولعاً بالغيوم. واستطاع بمخيلته المتوقدة أن يترك مسافة بينه وبين عمالقة هذه المدرسة الصعبة، أمثال سيلفادور دالي، وخوان ميرو، وماكس إرنست، وجورجيو دي شيريكو. ويصف النقاد الغربيون أسلوب ماغريت بأنه مسرحي أكثر منه تلقائي. فهو يضع الأشياء المعروفة والعادية في أماكن غير مألوفة ما يسبب صدمة للمتلقي... مثلاً: الغيوم والناس والأشجار والأثاث، تخرج في أعمال ماغريت من سياقها الطبيعي، لتصبح في سياق حلمي، شعري. وهذا هو جوهر السريالية، فسح المجال أمام العقل الباطن ليظهر مكنوناته.

ومثل ماغريت، قدم أعظم السرياليين الفنان الإسباني سيلفادور دالي (1904-1989)م لوحات احتلت الغيمة فيها مكانة رفيعة، كما في عمله المدهش «ثلاثة أبو الهول بالبكيني» حيث تتحول الغيوم إلى رأس بشرية.

ظلت الغيمة في أعمال الفنانين السرياليين تلعب دوراً صادماً في الغالب، بسبب ظهورها غير المتوقع في فضاء العمل الفني. فمن يتوقع غيمة على رأس رجل، أو غيمة في قفص؟

قبل السرياليين، استحوذت الغيوم على مخيلة الفنان الهولندي فنسنت فان كوخ (1853-1890)م. فقد رسم هذا الفنان سحباً رائعة في أغلب المناظر الطبيعية التي أنجزها. وضربات الفرشاة التي تتميز عنده بالقوة والطاقة التعبيرية الهائلة، انسجمت تماماً مع غيومه، في أعماله (منظر طبيعي من سان ريمي، ومشهد ليلي للنجوم، وحقل القمح مع أشجار السرو) حيث نرى سحباً متحركة تضج بإحساس تعبيري صافٍ يأخذ بشغاف المتلقي، ويستثير الطاقة الكامنة للمخيلة. ورغم أن أعمال هذا الفنان المدهش تقع في نقطة التقاطع بين ثلاثة اتجاهات تشكيلية: الانطباعية، والوحشية، والتعبيرية، فإن غيومه ظلت تغرد خارج سرب السحب في اللوحة التشكيلية الغربية.

وتُعدّ الفنانة الأمريكية جورجيا أوكيف (1887-1986)م من الفنانين الذين قدموا رؤية مفارقة للوحة (منظر الغيمة)، ورغم أنها تخصصت برسم لوحات كبيرة للزهور وحققت شهرة كبيرة، فإنها رسمت أيضاً مناظر الغيوم بطريقة مختلفة، ومن زوايا لم تتوقعها عين المشاهد. فقد أمضت هذه الفنانة وقتاً طويلاً تتنقل بالطائرات في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، تشاهد الغيوم من نافذة الطائرة، تدرب عينيها على مشهد لم تألفه عيون البشر. سافرت إلى جميع بلدان العالم لتسجل مشاهداتها في لوحات عن السحب.

وما يميز لوحات أوكيف أحجامها الكبيرة، وعدم احتوائها على مشاهد أرضية، فزاوية المشهد تجعل الغيوم تقع تحت خط أفق اللوحة كما في سلسلة أعمالها التي حققت نجاحاً كبيراً «سماء فوق السحب».

السحب الصينية
101تقوم فلسفة الـ (ين - يانغ) الصينية، أو الطاوية، على نظرية العناصر الخمسة: الخشب والنار والأرض والمعدن والماء. ومن هذه العناصر الخمسة، مجتمعة أو منفردة، تقوم كل موجودات الطبيعة، وهي أساس النجمة الصينية المؤلفة من القمر والغيمة والتنين، المرتبطة بعضها ببعض، حيث أصبحت أيقونات ثقافية تكررت صورها في الأعمال الفنية التقليدية، والعملات الصينية القديمة منذ أكثر من ألفي سنة، فالغيمة التي تنشأ بين السماء والأرض، هي منبع الماء الذي يغذي الحياة، ورمز للعالم السماوي، مثلما تحمل معنى الحركة أيضاً، لأن الخالدين، كما تصورهم الأساطير الصينية، كانوا يستخدمون السحب بمنزلة عربات للتنقل والسفر.

وتوجد علاقة جدلية بين الغيمة والتنين في الثقافة الصينية الكلاسيكية. فالصينيون يعتقدون أن التنين قادر على خلق الغيوم من أنفاسه، وارتباط التنين بالغيوم العاصفة والمطر والحياة يشكِّل زاوية مهمة في المعتقدات الصينية القديمة.

تحمل الغيمة الصينية، إذاً، دلالات رمزية عميقة الجذور، لارتباطها بالمعتقدات والطقوس المصاحبة لها. لذا، فإن الأعمال الفنية الصينية ستعنى بالغيمة بوصفها أيقونة مقدسة، أكثر مما تعنى بها بوصفها تكويناً فيزيائياً لغيمة مستقلة بذاتها لها شخصيتها الفريدة. فلم نشاهد أعمالاً فنية تصور حالات السحب وأنواعها، وعلاقتها بالضوء والبيئة المحيطة بها، وظلالها على حالة الطقس، كما شاهدنا في الأعمال الغربية، بل سلكت لوحات الغيمة في الثقافة الصينية سلوكاً نمطياً قائماً على ثيمة التكرار في فضاء مسطح، ثنائي الأبعاد، يذكرنا بـ (البوب آرت) وأعمال الفنان الأمريكي آندي وارهول، المبنية على النمطية، وخلق الأنساق المتكررة.

إن الحضور التشكيلي للسحب والغيوم في الفن التشكيلي بمختلف مشاربه، وثقافاته، يعبِّر عن اهتمام نفسي وطقسي وثقافي عميق الجذور في حياة البشر.

الحوسبة السحابية
يوتوبيا القرن الحادي والعشرين

102aلن تعييك الحيلة بعد اليوم في البحث عن صورك، موسيقاك، كتبك، أفلامك المفضلة، برامجك، نصوصك، أموالك، مشاريعك. فقد أصبحت كلها في متناول يديك وقتما تشاء، وأينما كنت... ستنتهي معاناتك من ضياع الملفات والنصوص والصور، بسبب انقطاع التيار الكهربائي، أو نتيجة لضغطة زر خاطئة، أو هجمة فيروس يصيب جهاز الكمبيوتر الخاص بك بالجمود...

فمن منا لم يعانِ من هذه أمثال هذه المشكلات، ومن منا لم يخسر في طرفة عين جهود ساعات عمل طويلة ومضنية.

كل شيء سيكون في السحابة، ولن تحتاج سوى لوسيلة اتصال بالإنترنت، من أي جهاز كمبيوتر، سواء أكان لك أم لصديقك. حتى التلفون الذكي يمكنه أن يأخذك إلى تلك السحابة حيث بياناتك، أو يجلبها إليك..

لقد انتهى عصر الكمبيوتر الشخصي الذي يخزن كل شيء، ليحل محله عصر السحابة الحبلى بكل شيء.

وهذا ليس ضرباً من فانتازيا الأحلام، بل هي فنتازيا الواقع الجديد..

102ما الحوسبة السحابية؟
شاعت في السنوات الأخيرة مصطلحات مثل السحابة الإلكترونية (electronic cloud)، والحوسبة السحابية (cloud computing). ورغم الغموض الذي يلف المصطلح، فإن الكل منغمس ومشارك بهمّة في هذه القصة الجديدة، بعدما أصبحت شؤون حياتنا المهنية واليومية والترفيهية تجري من خلال السحابة.. سيقول لك قائل، في السابق كنت تنجز كل الأعمال الخاصة بك على جهاز الكمبيوتر خاصتك، تنفذ وتخزن ملفاتك وصورك وبرامجك فيه، أو في وسائط تخزين خارجية مثل القرص المرن والأقراص الليزرية، أو في ذاكرة الفلاش، ولكن غالباً ما كانت تتعرض هذه الوسائط إلى التلف أو الضياع، أو لعبث المتطفلين.. أما اليوم فلست بحاجة إلى كل هذا الهم، ما عليك الا أن تتصل بالشبكة، وتضع أشياءك في (السحابة الإلكترونية). يمكنك أن تخزّن ما تشاء مطمئناً: صور، ملفات، نصوص، برامج... إلخ، في ما يطلق عليه التخزين السحابي، بشرط أن تحتفظ لنفسك بكلمة السر. فكل ممتلكاتك ستكون في مكان آمن، ويمكنك أن تعود إليها وتتصرف بها على هواك، ولن يضيع لك فيها شيء.

فما هي السحابة الإلكترونية؟ وما حوسبتها؟ وكيف ولدت وكبرت إلى هذا الحد حتى أصبحت تشكل جانباً من صورة حياتنا المعاصرة؟

في منتصف تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً في يوم 4 يوليو 1996م ظهرت خدمة إلكترونية جديدة قلبت حياتنا رأساً على عقب، وغيرت من مفهوم التواصل بالرسائل بين البشر، واسم هذه الخدمة: البريد الإلكتروني.. أطلقها كل من صابر باتيا وجاك سميث. وبعد عام واحد تجاوز عدد مستخدمي البريد الإلكتروني أكثر من 8 ملايين شخص حول العالم. وفي العام نفسه أطلق عالم البرمجيات رامنيث شيلايا لأول مرة مصطلح الحوسبة السحابية في إحدى محاضراته، لكن لا أحد التفت إلى مصطلحه الجديد.

مخازن مجانية
في البداية، كانت خدمة الهوتميل تسمح بـسعة تخزين تبلغ 5 جيجابايت تقدم مجاناً للمستخدمين. ثم تضاعفت قابلية التخزين لتبلغ 25 جيجابايت.. وتوالت شركات أخرى مثل ياهو وبعدها غوغل، على تقديم خدمات البريد الإلكتروني موفرة للمستخدمين سعة تخزين كبيرة للصور والنصوص..

من هناك، مع بداية خدمات البريد الإلكتروني، بدأت تتشكل البوادر الأولى لمفهوم السحابة الإلكترونية بتوفر إمكانية الوصول السهل إلى الرسائل والصور المخزنة في صندق البريد.

لكن سرعان ما تطورت الفكرة إلى ما هو أبعد من مجرد التخزين، مع تزايد سرعة تبادل البيانات، وانتشار تقنية (الواي فاي) التي وفرت سرعات عالية، رافقها تطور سريع في الأجهزة التي يمكن من خلالها الاتصال بالشبكة العنكبوتية كالهواتف الذكية والألواح الكمبيوترية.

اتسع المفهوم، من مجرد توفير مساحات تخزين محدودة في البريد الإلكتروني، ليشمل كل ما يتعلق بالحوسبة وتطبيقاتها، وليغطي خدمات أخرى، كالتجارة الإلكترونية، واستخدام التطبيقات والبرمجيات، ثم سرعان ما غطى خدمات البنوك، والإدارة، والصحافة، ولم ينتهِ بعدُ بما اصطلح عليه بالحكومات الإلكترونية..

في نهاية عام 2006م، تذكر الناس مصطلح رامينيث شيلايا، عندما تبنت شركتا «غوغل» و«IBM» فكرة البرمجة على مستوى الشبكات، التي أطلق عليها في حينها عنوان البرمجة على مستوى «السحابة». ومنحت الفكرة اسم «غوغل 101»، وتتلخص بربط عدد من الجامعات بشبكة واحدة توفر بيئة عمل متكاملة (برمجيات، تطبيقات، قواعد معلومات، وإمكانية تخزين هائلة) أطلق عليها في حينها اسم «سحابة» يستطيع الطلبة والباحثون في الجامعات المعنية الوصول إليها واستخدام إمكاناتها وما توفره من مساحات تخزين، بدلاً من العمل على الحواسيب الشخصية المنفصلة.. وبهذا المعنى سيكون بإمكان سكان السحابة استخدام إمكاناتها بسهولة، والحصول على ما توفره من تسهيلات للوصول إلى المعلومات والمصادر والبحوث الأخرى المتاحة.

104السحابة للجميع
حققت الفكرة نجاحاً هائلاً لم يتوقعه أحد. ووجدت لها تطبيقات خارج النطاق الأكاديمي، لتشمل حقولاً كثيرة وأتيحت لعامة الناس.. فأصبح الآن بإمكانك أن تدير حسابك المصرفي، وتجارتك الإلكترونية، وتحجز تذاكر السفر، وتنجز المعاملات الحكومية، وتدفع فواتير الكهرباء والهاتف والبنك، وتكتب النصوص، وتنجز الرسومات والتخطيطات، وتحتفظ بالصور والملفات، والأبحاث، وتمارس ألعابك الإلكترونية، في مكان واحد، اسمه السحابة.. أما الكمبيوتر نفسه فلم يعد سوى وسيلة اتصال، مثل أي هاتف ذكي، لن تحتاج منه سوى لبرنامج التشغيل والمتصفح، وكل ما عدا ذلك أصبح زائداً على الحاجة.

ومن المتوقع أن تمتلئ الأسواق قريباً بأجهزة اتصال خفيفة ورخيصة لا تحتوي شيئاً سوى برنامج تشغيل ومتصفح، وسنقول وداعاً للذاكرة التي كنا نفخر بحجمها على أجهزة كمبيوتراتنا!

تحقق كل هذا التطور السريع في مفهوم الإنترنت واستخداماته في السنوات العشر الأخيرة، من خلال تطور مجموعة مفاهيم وتطبيقات جديدة بدأت تفرض نفسها بقوة على حياتنا: لعل أهمها تطور قنوات التواصل الاجتماعي وانتشارها على نطاق واسع، التي يمكن النظر إليها بوصفها سحباً إلكترونية مفتوحة لعامة الناس أو سحباً مجتمعية (حسب توصيف المعهد الوطني للمقاييس والتكنولوجيا NIST).

ويشبّه أحد خبراء الإنترنت عمل السحابة، بعمل المحطة الكهربائية التي توزع الطاقة الكهربائية على أحياء وبيوت المدينة. فبدلاً من شراء المولدات الكهربائية الصغيرة وما يرافقها من تبديد للوقت والجهد والأموال على تشغيلها وصيانتها، يمكن الحصول على ما نحتاجه من الطاقة من المحطة الكبيرة. فالكهرباء الموصولة بالبيت مثلاً، لا تكلّف شيئاً ما لم تستخدمها في إنارة المصابيح وتشغيل الأجهزة، هكذا هي السحابة الإلكترونية تعرض على المستخدم كل المصادر المعلوماتية وتوفر له إمكانية استخدامها، من برامج وتطبيقات وأجهزة وإمكانية تخزين غير محدودة، ولن تكلف شيئاً ما لم تستخدم.. فشراء برامج أوفيس وفوتوشوب وكوريل على سبيل المثال، وتنصيبها على جهاز الكمبيوتر خاصتك يُعدّ عملية مكلفة جداً. إذ عليك تنصيبها وتحديثها، واستبدالها إذا ما تعرضت للتلف. لكن إذا أتيح لك استخدام هذه البرامج من السحابة، ستكون التكلفة أقل بكثير..

مثالٌ آخر على قوة عمل السحابة: محرك البحث غوغل.. هذا الموقع ليس مخزناً للمعلومات، بقدر ما هو باحث عنها. إنه المسبار الذي يقودك إلى ما تريد معرفته، فلو أردت أن تقرأ ديوان المتنبي مثلاً، فإن غوغل سيأخذك إلى موقع آخر في مكان آخر، كأن يكون موقعاً لمكتبة أو موقعاً أدبياً يضم ديوان المتنبي وقصائده، ويضعها أمام عينيك، بدلاً من أن تبدد أموالك في شراء كتب.. أو أقراص مدمجة تضم قصائد الشاعر..

ويبشِّر مفهوم السحابة إذاً، بإلغاء الفكرة الشائعة التي ترى أن الكمبيوتر الشخصي أداة لإنجاز الأعمال. لقد حوّله مفهوم الحوسبة السحابية إلى مجرد أداة للوصول إلى المعلومات والتواصل مع الآخرين، وبذا أصبح مساوياً من حيث الوظيفة للهاتف الذكي.

قوة الخوف
لكن السؤال الذي ظل يقلق بال المستخدمين دائماً، ما هي حدود الأمان في السحابة؟ من يضمن عدم تعرض المعلومات الخاصة بالشركات أو الأفراد إلى العبث والضياع، وحتى السرقة؟ ألا يعني فقدانها أو التلاعب فيها نهاية كل شيء..؟

أحد المتحمسين للسحابة يرد: أيهما أفضل، أن تخزن أموالك في بيتك أم تضعها في البنك، فاحتمال تلفها وضياعها أو سرقتها في المنزل أكثر بكثير من وجودها في مكان محميٍّ وآمن مثل البنك، حيث يمكنك أن تتصرف بها بسهولة... بهذا المنطق يرد المدافعون عن الحوسبة السحابية، وهو منطق صحيح إلى حد كبير. لكن ديفيد غلايزر كبير المهندسين في شركة غوغل التي أسهمت بتعميم مفهوم الحوسبة السحابية، وإحدى أكبر الشركات المصنعة للسحب، يؤكد «إن أي شكل من أشكال تقاسم المعلومات يمكن أن يستخدم في الخير والشر، حسب طبيعة المستخدم وميوله وأهوائه».. ويطالب غلايزر «بضرورة بث الوعي حول المفاهيم الأساسية المتصلة بطرق مشاركة المعلومات عبر الشبكة الدولية»، ويضيف: «غوغل، تُخزّن المعلومات في أماكن كثيرة في وقت واحد لتلافي ضياعها».

فالمؤكد أن فرص ضياع البيانات وتعرضها للخطر عن طريق الفايروسات والهكرز في الكمبيوتر الشخصي تبقى عالية جداً، بالمقارنة مع السحابة الإلكترونية.. بل أصبح من المخاطرة أن تكتفي اليوم بحفظ البيانات في جهاز الكمبيوتر الشخصي، أو حتى على وسائط حفظ خارجية فقط... فوسائط مثل الأقراص الليزرية على الأرجح لن تختفي، ولكن من المتوقع أن تتغيّر أشكالها وأدوراها وأنماط استخدامها، خاصة أن تكلفة وسائل التخزين في انخفاض مستمر. وسيكون من المنطقي أن تظهر وسائل لتخزين المعلومات يمكننا الوصول إليها بسرعة وسهولة حتى في حالة فقدان الاتصال بالإنترنت.. إنها يوتوبيا القرن الواحد والعشرين.

 

أضف تعليق

التعليقات

رقية العلمي

ملف ممتع خاصة الأدبي منه ولا اجمل من مراقبة الغيوم من الطائرة وكان الغيوم تسافر مع الركاب

صفاء حزام

مقالة جدا رائعة فمزيج العلم بالأدب لها أعطاها أبعاد عميقة و مؤثرة في القراءة.

أحدث المقالات

المقالات الأكثر تعليقاً