الملف

الدائرة

  • فريق القافلة
نمرّ بالشكل الدائري أو الكُروي كل يوم، فلا نلتفت إليهما، ولا نُلقي لهما بالاً، وكأنهما من طبيعة الأمور المعتادة التي لا تستحق منّا أي التفاتة أو تفكير. ألِفَ البشر رؤيتهما منذ أن تطلعوا إلى السماء، ورأوا الشمس والقمر، أو نظروا من حولهم، إلى ثمار الشجر، من فاكهة مستديرة الشكل، أشبه بالكرة. لكن للدائرة والكرة تاريخاً، له بداية وقصة. فمن اكتشف أن الأرض التي نعيش عليها كرة ضخمة، ومتى كان ذلك؟ ومن الذي حسب محيط الدائرة وحجم الكرة، وما إليهما من مسائل رياضية؟ أما السؤال عن حضور هذين الشكلين الهندسيين في العالم من حولنا، فلا حصر للجواب عنه. في هذا الملف، يستطلع فريق القافلة عالم الدائرة والكرة، اللذين يُعدَّان من أركان العلوم النظرية والتطبيقية على حدٍّ سواء، بدءاً بالرياضيات ومروراً بالطبيعة والجغرافية وصولاً إلى الفنون وصناعة الترفيه.

للكرة، أي كرة، ومهما كانت بسيطة، تاريخ عريق حافل باجتهادات العلماء واختلافاتهم. ولعل بداية هذا التاريخ كانت من الدائرة عندما سعى الإنسان إلى السيطرة عليها وإخضاعها للحسابات الدقيقة. وها هي اليوم في كل مكان تقريباً من حولنا. إنها في الدولاب المطاطي الذي يحمل السيارات والطائرات، وفي النقود المعدنية في جيوبنا، كما أنها في خاتم الزواج (الدبلة). وهي أيضاً في الساعة على سوار اليد، الساعة التي تحتوي على عديد من الأقراص المستديرة التي تدير حركة عقاربها بانتظام.. و«المستديرة» وهي في مقود السيارة، وفي تخطيط شوارع المدن ومدن ملاهي الأطفال، وصولاً إلى مجال الطاقة، فكما حضرت الدائرة قديماً في نواعير رفع المياه، ها هي اليوم تبقى حاضرة في حركة مراوح توليد الطاقة الشمسية..

فما هي الدائرة؟
هي خط متّصل، يقع في مستوى يجمع كل النقاط التي تبعد مسافة معيّنة عن نقطة ثابتة تسمّى المركز. وتسمّى المسافة بين المركز وأي نقطة من دائرته: الشعاع. أما الشعاعان المستقيمان اللذان يمران بالمركز، فيسمّيان: القُطر.

أما تعريف الكرة في الهندسة، فهو الجسم الذي ينتج من دوران دائرة دورة كاملة حول أحد أقطارها، وهي في الهندسة الإقليدية، أي الهندسة الفراغية، مساحة مستديرة كل النقاط فيها بعيدة البُعد نفسه عن نقطة معينة تسمّى المركز. أما بُعد المركز عن نقاط الكرة، فيسمّى أيضاً: الشعاع، والشعاعان المستقيمان هما القُطر، تماماً كما في الدائرة.

تاريخ دراستها
تعود دراسة الدائرة هندسياً، إلى عصور ما قبل التاريخ المعروف. وكان اختراع الدولاب أساسياً في معرفة خصائص الدائرة. كما كان الإغريق ينسبون إلى المصريين الفراعنة اختراع علم الهندسة. وقد تمكَّن أحمس، الكاتب وصاحب برديّة «رند» التي شرح فيها حساب المساحات والمثلثات، من وضع قاعدة لحساب مساحة الدائرة، فاكتشف النسبة التالية: 256/81، أي نحو 3.16، وهو الرقم الثابت البالغ في حساب اليوم تقريباً 3.1416، المسمّى pi، والمستعمل لحساب محيط الدائرة ومساحتها وحجم الكرة. أما الإغريقي طاليس، فهو أول من وضع النظريّات المتعلّقة بالدائرة، نحو عام 650 ق.م. كذلك تضمّن كتاب أقليديس الثالث: العناصر الإقليدية، خصائص الدوائر ومسائل رسم المضلّعات في داخلها. وكان من المسائل المُشكلة عند الإغريق، العثور على صيغة معادلة لحساب المربّع الذي تساوي مساحته مساحة دائرة معيّنة. وقد كان أول من بحث في هذه المسألة أنغزاغوراس سنة 450 ق.م. يقاس محيط الكرة، التي شعاعها ش، بمثل قياس إحدى دوائرها، بالمعادلة التالية: 2 X 3,1416 X ش وتقاس مساحة سطح الكرة، التي شعاعها ش، بالمعادلة الآتية:
4 X 3,1416 X ش2.
«تدوير» الأرقام
في الرياضيات، وفي الكتابة الصحافية، يستخدم البعض ما يسمّى: «تدوير» الأرقام. فماذا يعني تدوير الرقم؟ إنه أسلوب لتبسيط الرقم، وإبداله برقم قريب يسهل حفظه. والرقم «المدوَّر» بالطبع أقل دقّة من الرقم الأصلي.أما كيف ندوّر الرقم، فإن التدوير على أنواع: إذا كان لدينا رقم نريد أن ندوّره إلى أقرب عشرة: 73 يصبح: 70، أما 76 فيصبح: 80. فالرقم 73 أقرب إلى الرقم 70، من الرقم 80، فيما 76 أقرب إلى 80... وهكذا.وحين ندوّر الرقم، فثمة أمور ننظر فيها:
• إلى أي منزلة نريد التدوير، العشرات أم المئات... مثلاً: تدوير الرقم 5738، هل يصبح: 5740، أم 5700؟
• التدوير نزولاً أم صعوداً، فالرقم 73 يدوّر نزولاً، لأن 3 أقل من 5، أما الرقم 76، فيدوَّر صعوداً لأن 6 أكبر من 5 التي تتوسط السبعينيات.
• أما إذا كان الرقم 75 مثلاً، فإننا ندوِّر الرقم صعوداً. وفي المبدأ يمكن أن يكون التدوير في هذه الحال صعوداً أو نزولاً، لأن الرقم 75 قريب من 70 و80 المسافة نفسها، لكن اتُّفق بين العاملين في الرياضيات، على الصعود بالرقم، في هذه الحال، حتى لا تكون هناك طريقتان متناقضتان.

أما حجم الكرة، التي شعاعها ش، فيقاس بالمعادلة التالية:
4 X 3,1416 X ش 3 / 3 والرقم 3,1416، الذي يتكرّر في حساب قياس الدائرة والكرة، هو رقم ثابت، يسمّى في الرياضيات كما سلف: pi، ويُكتَب برسم حرف p اليوناني. وقد حصل علماء الرياضيات القدامى منذ قرون عديدة على هذا الرقم واكتشفوا أنه ثابت لا يتغيّر، من دائرة إلى دائرة مهما كان قطرها. إذ قسموا محيط الدائرة على قطر الدائرة، فوجدوا الرقم: 3,1416، يتكرر في كل قياس. وبذلك اعتُمد عند علماء الحسابات الهندسيّة. وكان أولهم أحمس الفرعوني، الذي وُفِّق برقم قريب، على ما سلف. أما أرخميدس العالم الرياضي الإغريقي فهو الذي يُنسَب إليه حساب حجم الكرة، الذي يبلغ ثلثي حجم الأسطوانة المحيطة.

في الهندسة... فقط!
هذه هي باختصار خصائص الدائرة والكرة، حسبما حلّلها الرياضيون منذ قرون. ولكن... هل للدائرة النظرية وللكرة النظريّة هذه وجود في الطبيعة؟

سيسارع معظم الناس إلى القول: طبعاً! الكرة الأرضية كرة. غير أن العلم وقياسات الجغرافيين تقول إن الكرة الأرضية ليست كرة بالدقة الرياضية والتعريف العلمي. فلنستعرض قياسات الجغرافيين لنرى إذا كانت خصائص الكرة العلمية تنطبق على الكرة الأرضية.

يقول العلماء، إن شعاع الكرة الأرضية في المعدّل، يبلغ 6371 كيلومتراً. لكن هذا مجرّد قياس معدّل. أما شعاع الكرة الأرضية عند خط الاستواء، فيبلغ 6378,1 كيلومتر، فيما يبلغ شعاع الكرة الأرضية عند القطبين 6356,8 كيلومتر. ولما كان التعريف العلمي للكرة، هو أنها جسم تبتعد كل نقاط السطح فيه مسافة متساوية عن نقطة المركز، فهذا يعني علمياً أن الأرض ليست كرة بالمعنى الدقيق. بل إن شكلها هو مفلطح، أي منتفخ عند خط الاستواء بعض الشيء. أما نسبة التفلطح فهي %0,33528. وسبب هذا «التشوّه» في شكل الكرة الأرضية، هو دوران الأرض حول نفسها، وقوة عامل الطرد المركزي، الذي يميل إلى قذف الأشياء بعيداً عن المركز عند الدوران. وقوة هذا العامل تزداد كلما ازدادت سرعة الدوران. ومعلوم أن المواقع التي عند خط الاستواء تدور بسرعة أكبر بكثير من سرعة المواقع القريبة من القطبين، الشمالي والجنوبي، إذ تبلغ سرعة الدوران عند خط الاستواء: 1,674.4 كيلومتر في الساعة، أما سرعة الدوران عند القطبين تماماً، فهي صفر كيلومتر في الساعة. لذا فإن المعتقد هو أن الكرة شكل نظري قد لا يكون له وجود في الطبيعة، لأن كل الأشياء تتحرك، ويتغيّر شكلها جرَّاء هذه الحركة، بعضها يتغيّر كثيراً، والبعض الآخر يتغيّر تغيّراً غير ملحوظ، كلما كان الجسم المتحرك صلباً، أو كلما كانت حركته بطيئة.

أليس إذاً ثمة دائرة حقيقيّة في الطبيعة؟ ليس هذا هو الاستنتاج السليم، بل إن الأصح هو أن الدائرة كائن نظري، قد يكون موجوداً في الطبيعة، لكنَّ وجوده نادر ومرهون بانطباق الشروط الرياضيّة انطباقاً صارماً. ولا بُدَّ من التدقيق في هذا الأمر قبل القول باستدارة شكل ما.

لماذا الأجرام «كروية» الشكل؟
لكن في نهاية الأمر، الدائرة دائرة، ولو بالمعنى التقريبي، والكرة الأرضية تبقى أشبه وأقرب ما تكون إلى كرة أرخميدس النظرية.

ألم يخطر ببالنا ونحن ننظر إلى صورة الأرض أو القمر أو الشمس، أو أي من الأجرام الفضائية، لماذا لا تكون في أشكالها، إلا كرويّة؟ أو لماذا لا تكون مكعّبة أو هرمية أو بلا شكل هندسي على الإطلاق؟ ويكمن الجواب في معرفة كيف تعمل الجاذبية، وكيف تكوّن نظامنا الشمسي، وكيف تتكوّن كل النظم الشمسية المشابهة. لقد نشأ النظام الشمسي حسبما يرى العلماء، من غمامة عملاقة، هي عبارة عن تجمّع كثيف للغازات والغبار الكوني، في الفضاء الواقع بين مختلف النجوم. وهذه الغازات تكون في البدء مبعثرة متباعدة، وتتقارب شيئاً فشيئاً بفعل الجاذبية. وعندما يتجمّع ما يكفي من حجم هذه الغمامة، تكتسب قوة جاذبيّة متعاظمة، فتزيد في جمع الغبار والغازات من حولها، وتنشئ بذلك حقلاً مغناطيسياً حول الغمامة السديميّة. وبهذا تأخذ الشموس في التكوّن في مرحلتها الأولى.
الدائرة الحلزونية للا نهاية
في عام 1655م، استنبط عالِم الرياضيات البريطاني جون وليس رمزاً للإشارة إلى اللانهائية، وهو عبارة عن دائرة منبعجة بشكل يحولها إلى دائرتين مرسومتين بخط واحد، يشبه الرقم 8 مقلوباً. ومن رمزيته العلمية إلى الأرقام اللامتناهية، استمدَّ هذا الشكل رمزية أخرى، فأصبح اليوم أيضاً شكلاً فنياً، اعتمده كثير من المصمِّمين لصياغة حلي على سبيل المثال ترمز إلى ديمومة العلاقات.

أما المرحلة الثانية في نشوء الشمس، فهي أنها تأخذ في الدوران حول نفسها. ذلك لأن اجتذاب الغبار الكوني والغازات، لا يكون اجتذاباً عمودياً، بل غالباً ما تتساقط هذه الجزيئات على الغمامة بزاوية ما، فتدفعها إلى الدوران. ومع تعاظم حجم الغمامة وتكاثر ما اجتذبت إليها من غازات وغبار، تزداد سرعة دورانها حول نفسها. ذلك أشبه بما يحدث لمتزلجَيْن على الجليد، إذ يأخذان في الدوران بسرعة حالما يمسك أحدهما بيدي الآخر، بعدما كانا يتجهان في اتجاهين متقابلين. وكلما اجتذبت الغمامة بالجاذبية الغبار إلى مركزها، تعاظمت سرعة الدوران. ومع تضخّم الكتلة، وتراكمها على بعضها، وتزايد قوة جاذبية الجرم الناشئ، يبدأ الانصهار النووي، فتُولَد الشمس.

بعد ولادة الشمس، يبقى في مجمل الغمامة العملاقة من الغازات والغبار، مصدران للجاذبيّة، يتنافسان في اجتذاب ما بقي من غازات وغبار في الغمامة، بعدما تكوّنت النجمة، أو الشمس. المصدر الأول للجاذبية هو الغمامة نفسها التي تظل غازاتها تتقارب شيئاً فشيئاً، والمصدر الثاني بالطبع هو النجم الجديد في وسط هذه الغمامة. وهكذا يتقاسم المصدران ويتجاذبان ما أمكنهما من غازات الغمامة، ويأخذ في الظهور بعيداً عن مركز النجمة، كتل أخرى أصغر حجماً، تكون بداية لظهور الكواكب الصخرية، مثل الأرض. ولا بدَّ من الإشارة إلى أن الكواكب الغازية العملاقة، مثل المشتري وزحل، هي كواكب، كانت قريبة من التحوّل إلى نجوم، لكن أحجامها لم تبلغ العتبة التي يبدأ عندها الانصهار النووي. لذلك تبقى كواكب غير مشتعلة، تدور من حول الشمس، التي تجتذبها في مدار حولها؛ لكونها أكبر حجماً وأثقل وزناً بأضعاف مضاعفة.

وفي كلتا الحالتين، سواء أكانت الكواكب الناشئة صخرية أم غازية، فإن مراحل تكوّنها بدأت بغبار وغازات، أي جزيئات صغيرة تكوّمت على بعضها مع مرور الزمن، من غير أن يكون لها شكل صلب. ولما كان التحامها ببعضها ناشئاً من قوة الجاذبية، فإنها تتخذ مكانها المتاح على سطح الكتلة الجديدة التي ستصبح كوكباً. ومع دوران الكتلة بفعل قوة اندفاعة الالتحام، تتخذ الغازات الشكل الكروي، إلى حين ابترادها، وتحوّلها إلى صخر، مثل الكرة الأرضيّة. فحقل الجاذبية الناشئ يجتذب الغازات والغبار نحو مركز الكتلة المتكوّنة، فيما يساعد الدوران في اتخاذها الشكل الكروي. هكذا تنشأ الأجرام السماوية والكواكب، في شكل كروي... تقريباً.

أشهر قضية كروية في التاريخ
«عندما كان كريستوف كولومبوس حياً، كان الناس يعتقدون أن الأرض مسطّحة. كانوا يظنّون أن المحيط الأطلسي يعجّ بوحوش ضخمة تلتهم سفنهم، وأن في طرفه شلالات ماء، تسقط منها السفن إلى الهاوية. كان على كولومبوس أن يواجه هذه المعتقدات، ليُقنع رجاله بالإبحار معه. كان متيقّناً من أن الأرض كانت كرويّة». هذا ما كتبته الأمريكيّة إيما مايلر بولينيوس، سنة 1919م. وهذا ما راج لاحقاً في الكتب المدرسية الأمريكية والأوروبية أولاً، ومن ثم في كافة أنحاء العالم. إن إحدى الخرافات التي ينشأ الصغار على الاعتقاد بها، هي فكرة أن كولومبوس كان وحيداً في زمنه، في القول باستدارة الأرض؛ وأن كل الآخرين كانوا يظنونها مسطّحة.
دواليب الهواء
«دولاب الهواء» هو هيكل مصنوع عادة من المعدن، ومكوَّن من عجلة دوارة مع عربات للركوب (يشار إليها أحياناً باسم الجندول أو الكبسولات)، يتم تعليقها على حافة العجلة. وعندما تدور العجلة، تبقى العربات في وضع مستقيم، وعادة بفعل الجاذبية الأرضية.
تم تصميم أول دولاب هواء بواسطة جورج واشنطن غيل فيريس الابن الذي استوحاها من نواعير رفع الماء من الأنهار، وشيَّدها كمعلم جذب سياحي للمعرض العالمي الكولومبي في شيكاغو عام 1893م.
ومنذ ذلك العام، أصبح هناك 9 دواليب هواء في العالم سجلت أرقاماً قياسية كأعلى دولاب هواء. وحامل الرقم القياسي الحالي هو هاي رولر في لاس فيغاس والبالغ طوله 167.7 متر (550 قدم)، والذي افتتح للجمهور في مارس 2014م.
غير أن أشهرها عالمياً يبقى دولاب الهواء المسمَّى «عين لندن» الذي يرتفع 135 متراً، وأصبح من معالم أية صورة فوتوغرافية للعاصمة البريطانية.
وتنتشر دواليب الهواء أينما كان في العالم اليوم، نظراً للإقبال الشديد عليها في مدن الملاهي.

في الحقيقة ثمة مراجع قديمة كثيرة تشير إلى أن شكل الأرض مثل قرص مستدير. ومن كانت معلوماته محصورة فقط بأهم جرمين فضائيين في سمائنا - الشمس والقمر - فقد يصل إلى الاستنتاج نفسه. أما إذا خرج في ساعة الغروب، عندما يكون القمر بعد هلالاً، فهناك ما يمكن أن يراه. مجرد خيط رفيع من القمر، يتفق في شكله مع الجزء من كرة القمر الذي تضيئه الشمس. فإذا كنت فضولياً وتفكيرك علمي، فقد تعيد الكرّة وتخرج عند المغيب في الأيام التالية لتنظر صوب السماء لجهة الجنوب الغربي (على افتراض أنك في نصف الكرة الأرضية الشمالي)، وستجد شيئاً فشيئاً أن شكل الجزء المضيء من القمر يتغيّر.

فهو أولاً يبتعد كل يوم في كبد السماء، بنحو 12 درجة، وكأنه يبتعد عن الشمس، وهو ثانياً يزداد في مساحته المضاءة! وقد تستنتج استنتاجاً صحيحاً، وهو أن القمر ربما يدور حول الأرض، وأن تغيّر الشكل الظاهر منه إنما هو تبدّل سببه أن الشمس تضيئه من زاوية أخرى كل يوم. لكن يحدث مرتين تقريباً كل سنة، حدث خاص، لا يحدث إلا حين يكون القمر بدراً، فيتيح لنا أن نلاحظ أمراً يتعلّق بشكل الأرض: خسوف القمر! حين يكون القمر بدراً وتمر الأرض مباشرة على خط مستقيم بين الشمس وبينه، تحجب الأرض نور الشمس عنه، فيغيب القمر عن ناظرينا! فإذا دققنا في الظل الذي يظهر على القمر حينئذٍ، يمكننا بوضوح أن نلاحظ أن ظل الأرض مقوّس، وشكله مثل القرص! لكن هذا لا يقطع في أمر ما إذا كانت الأرض قرصاً مستديراً أو كرة. مبدئياً بالنظر إلى خسوف القمر، يمكن أن تكون الأرض إذاً قرصاً أو كرة.

والحقيقة أن القطع في المسألة لم يحدث في القرنين الميلاديّين الخامس عشر أو السادس عشر، عندما استدار المستكشف ماجيلَّان بسفينته حول الأرض، بل قبل ذلك الزمن بأكثر من 2000 سنة، في مصر! والمدهش في الأمر أن اكتشاف كرويّة الأرض استند فقط إلى ملاحظة الشمس وحدها.

في العالم القديم، كان كبار العلماء من مصر واليونان وكل أنحاء بلاد البحر الأبيض المتوسط، يقصدون مكتبة الإسكندرية، حيث يباشرون أبحاثهم. وكان أحد هؤلاء، العالِم الآتي من ليبيا إراتوستينيس القوريني، وهو إغريقي.

فيما كان إراتوستينيس يعمل في الإسكندرية، تلقّى رسالة مهمّة جداً، من مدينة أسوان في جنوب مصر، تتحدَّث بالتحديد عن ملاحظة فلكيّة في يوم 21 يونيو، أي يوم الانقلاب الصيفي. قالت الرسالة إن ظلال الأعمدة في معابد المدينة، كانت تختفي عند الظهر، أي إن الشمس تمر في هذه اللحظة فوق الرؤوس تماماً، ولا تحيد درجة إلى الجنوب أو الشمال أو الشرق أو الغرب، وبذلك يتقلّص الظل حتى يختفي.

لكن إراتوستينيس كان يعلم أن الأمر ليس كذلك، حيث هو في الإسكندرية. كانت الشمس بالطبع ترتفع في كبد السماء، عند الظهر، كلما اقترب الانقلاب الصيفي، أعلى من أي يوم من أيام السنة، لكنها تلقي ظلاً يطول ويقصر، لكن لا يختفي.
الطاولة المستديرة
أحياناً يدور الحديث عن انعقاد «طاولة مستديرة» لمناقشة كذا وكذا. فبماذا تختلف الطاولة المستديرة، ولماذا لا يكون المؤتمر على طاولة مربّعة أو مستطيلة؟ إن لهذا سبباً يجعل استدارة الطاولة أمراً ضرورياً، وذلك حين يكون المؤتمِرون من رتبة واحدة، كرؤساء الدول مثلاً، أو الوزراء النظراء من بلدان مختلفة، فلا يجوز عندئذ أن يجلس أحدهم على رأس الطاولة المستطيلة، وكأنه أرفع شأناً من الباقين، إلا إذا كان رئيساً اختير من بين نظرائه لرئاسة هذا المؤتمر.نذكر هنا الطاولة المستديرة التي خلَّدتها أسطورة الملك البريطاني آرثر كرمز للمساواة بين الفرسان الذين التأموا حول محيطها في عاصمته كاميلوت. وظلت الطاولة المستديرة رمزاً للمساواة وطلب الصلح ومضادة للطبقية. لكن بريطانياً آخر هو وينستون تشيرشل زعزع هذه الأسطورة حين قال: «أينما أجلس يكون رأس الطاولة».

فما هو سبب هذا الفارق؟ بلمعة عبقرية، وجد إراتوستينيس الحقيقة، وهي أن إشعاعات الشمس كلها متوازية، إذاً فالأرض محدودبة! وفكّر إراتوستينيس، لو كان يعرف المسافة بين الإسكندرية وأسوان، لأمكنه من خلال معرفته درجة انحناء الأرض بين المدينتين، أن يقيس محيط الكرة الأرضية! ولم يكن لديه مساعد من طلابه يمكنه أن يذهب إلى أسوان ليقيس المسافة، لذا كان عليه أن يكتفي بما لديه من معلومات عن هذه المسافة بين المدينتين، واستعان بأدق ما لديه من قياس في تلك الأيام.

السفر على ظهر جمل! يمكن أن نفهم الانتقاد لدقة هذا الاختبار بالطبع. لكن ما خلص إليه إراتوستينيس هو أن المسافة بين الإسكندريّة وأسوان هي 5000 ميدان. وفي هذه الحال، نحصل على قياس لمحيط الأرض يبلغ 39,375 كيلومتراً، وهذا لا يقل سوى بنسبة %2 عن المحيط الحقيقي البالغ في القياس الحديث 40,041 كيلومتراً!

وبغضّ النظر عن مدى دقّة القياس، فإن إراتوستينيس دخل التاريخ بوصفه أول عالِم جغرافيا في العالم يُثبت علمياً كرويّة الأرض، وينشئ مفهوم خطوط العرض والطول التي نستخدمها اليوم في رسم خريطة الأرض، وهو أول من وضع الخرائط المرسومة على أساس كرويّة الأرض.
الدائرة وأخواتها في اللغة
في مادة: دار، في «لسان العرب» لابن منظور، الذي وضع معجمه الكبير قبل سبعة قرون ونيّف، جاء: «دار الشيء، يدور دَوراً ودَوَراناً... واستدار، وأدرتُه أنا. والدهر دوَّار بالإنسان. وتدوير الشيء جعله مدوّراً، وفي الحديث: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلقَ الله السموات والأرض. استدار بمعنى إذا طاف حول الشيء، وإذا عاد إلى الموضع الذي ابتدأ منه، ومعنى الحديث، أن العرب كانوا يؤخّرون المحرّم إلى صَفَر، وهو النسيء، ليقاتلوا فيه، ويفعلون ذلك سنةً بعد سنة، فينتقل المحرّم من شهر إلى شهر حتى يجعلوه في جميع شهور السنة. فلمّا كانت تلك السنة، كان قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل النقل، ودارت السنة كهيئتها الأولى».في هذا التفسير للحديث النبوي الشريف، يشرح ابن منظور، كيف أن كنانة، وهي من العرب، كانت في كل سنة تحسب كم نقصت السنة القمريّة عن السنة الشمسية، ليطابقوا بين شهور السنة القمرية والمواسم الشمسية، من ربيع وصيف وخريف وشتاء. فكانوا «يُنسِئون» الأشهر، أي يقولون إن شهر المحرّم هذا العام قد انتقل إلى شهر صفر.وفي المادّة نفسها، يضيف ابن منظور: «والدائرة والدارة كلاهما: ما أحاط بالشيء، والدارة: دارة القمر التي حوله، وهي الهالة. ودارت عليه الدوائر: أي نزلت به الدواهي، والدائرة: الهزيمة والسوء، يقال: عليهم دائرة السوء، وقوله عزّ وجلّ: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} (التوبة: 98)، قيل (الدائرة والدوائر أي) الموت أو القتل، وجعل الله دائرة السوء عليهم ونزول المكروه بهم لا عليكم».ويكمل ابن منظور تفسيره للدائرة، إذ يقول: «وقوله تعالى: {نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنا دَائِرَة} (المائدة: 52) الدائرة ما يصيب الجماعات من شدائد ونوازل بسبب أعدائهم، وهي التي تُخشَى كالهزيمة والحوادث... والدَّوَّار والدُّوَّار من أسماء البيت الحرام، لأنهم يطوفون به في شبه دائرة».وفي المعجم: دَارَتْ عليه الدَّوائِرُ أَي نزلت به الدواهي. والدائرة: الهزيمة والسوء. يقال: عليهم دائرة السوء. وفي الحديث: فيجعل الدائرة عليهم أَي الدَّوْلَة بالغلبة والنصر. وقوله عز وجل: ويَتَرَبَّصُ بكم الدوائر؛ قيل: الموت أَو القتل. والدُّوَّارُ: مستدار رمل تَدُورُ حوله الوحش.ولا نجد في «لسان العرب» كلمة: كُرَة، لكن جاء في اللسان، في مادة: كرر: «الكرّ الرجوع، وكرَّر الشيء، أعاده مرّة بعد أخرى، والكَرَّة: المَرَّة، ويقال: كرّرتُ عليه الحديث إذا ردّدته عليه، والكرّ الرجوع على الشيء، ومنه التكرار». ومع أن الفكرة في هذه المادة تقترب وتبتعد عن فكرة الكُرَة المستديرة، إلا أن مفهوم الرجوع يشبه في المخيّلة نوعاً من الاستدارة والدوران. وقد تكون كلمة كُرَة، مرتبطة بهذا المعنى.أما في مادة: دلب، فيقول ابن منظور: «الدَّوْلاب والدُّولاب كلاهما واحد الدواليب، وفي المُحكَم على شكل الناعورة، يُستَقَى به الماء».وفي استخداماتها اللغوية المعاصرة
وقد توسّعت هذه الكلمات بمعانيها في اللغة، مع مرّ السنين، واكتسبت معاني جديدة في العصر الحديث. فنحن حين نقصد اليوم مبنى وزارة أو شركة، إنما نريد مراجعة أمر ما في «دائرة» الموظفين، أو «دائرة» الخدمات، أو «الدائرة» المالية، وهكذا. فكيف صارت الدائرة تعني جهازاً في وزارة أو شركة، يضمّ موظّفين ويؤدّي خدمات معلومة؟ لعل الأمر منشأه من مفهوم الآلة الميكانيكية التي لا تعمل إلا حين «تدور»، وتتوقّف عن الدوران إذا تعطّلت. وحتى تسير أمور الناس، من معاملات وتبادل وقضايا على اختلافها، لا بدّ من «أن تدور عجلة الأعمال» لأداء الخدمة المطلوبة، وألَّا تتعطّل.

من هنا صُنِّفت أفرع الوزارات والشركات وبقية المؤسسات، إلى أقسام ومصالح و«دوائر»، وصار مطلوباً من هذه المؤسسات «أن تدير عَجَلَة الأعمال»، وصارت تسمّى: الإدارة، لأنها تدير عجلة العمل، وعلى رأسها: المدير، أي الذي «يُدير» الأعمال كلها، بواسطة مرؤوسيه.

والدائرة المُفرَغة، أيضاً، من المعاني التي دخلت اللغة العربيّة، لكن من باب الترجمة. والعبارة في الأصل ترجمة لعبارة فرنسية: cercle vicieux، أو إنجليزية: vicious circle. فنقول إننا ندور في حلقة مفرغة، حين نجتهد في أمر ما لكننا نعود في كل مرّة إلى البداية، من غير تحقيق أي أمر. وذلك لأن السير على خط الدائرة بعود بك إلى المكان نفسه، ولا يوصلك إلى أي مكان.

وحين يتحدّثون عن «تدوير الزوايا»، فإنما القصد مطالعة المواقف، وتعديل الحادّ منها، حتى تصبح هذه المواقف أقل حدة، وكأنها لوح من الخشب أو المعدن، زواياه حادة، وقد تكون مؤذية، و«تدويرها» يكون بقطع الزاوية الحادة، حتى تكون مستديرة، لا تؤذي مَن يلامسها.

وفي تصميم الطرق، ثمة ملتقى يسمّى في بعض البلدان العربية: مستديرة، أو: دوّاراً، وفي بعضها الآخر، مثل مصر: صحناً، وهو مستدير الشكل من أجل تيسير التقاء السيارات الآتية من اتجاهات مختلفة. وجاءت المسارات الدائرية (الميادين) لتقدِّم حلولاً للاختناقات وتعتقنا من التوقف عند الإشارات الضوئية. لكن ومع ذلك تعد الدوَّارات إشكالية وخطراً بسبب السائقين المتهورين غير الملمين بالنظام.

أما الدولاب فدخل في لغتنا اليومية في عبارات من قبيل: الدنيا دولاب، أي إنها يوم لك ويوم عليك. وعن حظوظ الناس في عيشهم، يقولون: دار معه دولاب الحظ، أي إن الأمور مؤاتية له، وهذا يُضمر أن الأمر «دولاب» وقد ينقلب من حال إلى حال.

كذلك الكرة اتخذت معاني مجازيّة، فحين نقول عن شخص ما «إن الكرة في ملعبه»، فإنما نعني، أن الخطوة التالية منتظَرة منه بعدما أدى الآخرون ما عليهم.

و«كرة الثلج» من التعابير الجديدة في اللغة العربية، تستخدم للإشارة إلى قضية تتعاظم وتتضخم باستمرار، رغم انطلاقتها الصغيرة أو المحدودة.


أعظم تطبيقات الدائرة: الدولاب
لا يمكننا أن نتخيّل العيش، دون القدرة على النقل والتنقّل. وحين نتنقّل، لا يمكن أن نتصوّر انتقالنا على عربة أو محفّة، بلا دواليب، أو عربة «بدواليب» غير مستديرة، مربّعة أو بأي شكل آخر، كيف يمكن أن يكون الانتقال والسفر عليها! فالدولاب من أقدم ما اخترع البشر في تاريخهم الطويل على الكرة الأرضية. أما الدواليب الصغيرة في ألعاب الأطفال، في أيامنا هذه، فيمكنها أن تعطينا فكرة عن تنوّع الأغراض التي يمكننا أن نستخدم الدولاب في تحقيقها، من تسلية الطفل، تصاعداً إلى دروج الطائرات على مدارج المطارات. فثمة ما لا يُحصى من الأحجام والأشكال والمواد المصنوعة منها الدواليب، نراها كل يوم من حولنا، فنتسلّى أو نلعب أو ننتقل من مكان لآخر، من غير أن يفكّر معظمنا في يوم، كيف كان اختراع الدولاب، أو فلنقل: اكتشافه.

فالدولاب هو حلقة مستديرة تماماً، مصنوعة من مادة صلبة وقد جعلت الدواليب عيشنا أسهل، لا سيما إذا كنا بحاجة إلى الانتقال من مكان إلى آخر بعيد. ولعل اختراع الدولاب منذ عصور غير معروفة تماماً، هو في الوقت نفسه، من أهم ما اخترع البشر في تطوّرهم العلمي والتكنولوجي. لقد أحدث الدولاب ثورة حقيقيّة في تقدّم البشرية والحضارة.

إذا كنا لا نعرف تاريخ اختراع الدولاب، فهذا يعني أيضاً أننا لا نعرف من الذي اخترعه. صحيح أن أقدم دولاب وُجد بين الآثار الباقية من التاريخ، عمره نحو 3000 سنة، وأن النقوش السومرية والفرعونيّة تحمل رسوماً لعربات بدواليب، عمرها 5000 سنة. إلا أن هذا لا يفيدنا عن الزمن الذي اخترعوا فيه الدولاب حقاً، قبل تلك الحقب. لكن يبدو أن الحيّاكين والنسّاجين والخزّافين (صانعي الفخّار والآجرّ) كانوا من أوائل من استعمل الدولاب في مهنتهم.
الدوائر المتداخلة
من المدهش أن نستخدم الدائرة لنعبِّر عن الأشياء تجريدياً. حتى لو لم تكن مدوّرة. فالدوائر المتداخلة كانت رمزاً للتوحد وكأنها حلقات سلسلة لا تنقطع. وأشهر مثال على ذلك العلم الأولمبي الذي ترمز فيه خمس حلقات للقارات الخمس المأهولة.
وتجدر الإشارة إلى جنوح الشركات والمؤسسات العالمية، أو التي تزعم مكانة عالمية، إلى استخدام الدائرة كعنصر أساسي في شعارها رمزاً للكرة الأرضية.

إن الأوعية الفخّاريّة التي كان الخزّافون يصنعونها، كانت ضرورية لخزن الماء والمشروبات وحتى الحبوب وغيرها من الأغذية، في المستقرّات الزراعية التي نشأت من حولها القرى والمدن الأولى. ولم يكن صنع آنية الفخّار ممكناً من غير الدولاب الذي يديره الخزّاف لصنع آنيته. وكان ثمة حوافز حضريّة أخرى للتقدّم بصنع الدواليب لمختلف الأغراض، إذ كان النقل والانتقال على العربات من أهم هذه الحوافز. ومن هذه الدواليب الأولى، طوّر البشر شيئاً فشيئاً صناعة الدولاب، فوصلنا إلى أطر السيارات، التي لا نتخيّل عيشاً حديثاً اليوم دونها.

 

لقد كان تطوير الدولاب مستمراً عبر العصور بلا توقف تقريباً، بتصميم الدولاب ومواد صنعه. والدواليب التي نراها اليوم في السيارات والطائرات وكل نواحي الحياة وأدواتها، ليست سوى تطوير للاختراع الأول. لكن الفروق هائلة. إذ كان تصميم الدولاب في الماضي السحيق بسيطاً بالمقارنة مع دواليب الأدوات العصرية اليوم. فدولاب العصور الأولى كان من حجر، ثم من خشب، وأما دولاب العصر الحديث فمتقدّم صناعياً ومعدّ خصيصاً ليلعب دوره ضمن صيغ معقّدة من التكنولوجيا الحديثة.

ومع هذا، يسجَّل للدولاب أنه، على عكس المخترَعات الأخرى التي ظهرت قبل 5000 سنة، وربما قبل ذلك، ثم اختفت، لا يزال معتَمداً اليوم ومستعمَلاً، بل إنه يلعب دوراً أساسياً في الحياة الحضرية، ولا يزال ضرورة في عدد لا يحصى من المهام. ليس مهماً إذا تغيّر شكل الدولاب، أو مادة صنعه، أو حجمه، فمهمته لا تزال هي هي، وهي أن ينقل حركة الخط المستقيم، إلى حركة دائرية، تمتصّ الإجهاد الناجم عن الاحتكاك بالأرض. ولولا أن البشر اخترعوا الدولاب، لما كنا نرى عربات وطائرات في عالمنا اليوم، بل حتى لما كان ممكناً ربما، للقرى والمدن وللحضارات القديمة أن تقوم وأن تتطوّر، وللعيش الحضري الزراعي أن ينشأ، وللبشر أن ينتقلوا من مكان إلى آخر إلا في حدود ترسمها القدرة على السير على الأقدام، ولولا الدولاب لما ظهرت الجيوش لتقيم الممالك والدول وتحمي المدن والبلدان.
في الفن التشكيلي.. الدائرة والكرة في قلب التجريد
بسبب دقة الشكل وبرودته، تبدو الدائرة ومعها الكرة، كما هو حال كل الأشكال الهندسية، على جفاء مع الفن، تعصيان على التطويع وفق مشيئة الفنان ومزاجه. ولكن..قبل ظهور الفن الحديث، اقتصر حضور الشكل الكروي في الفن على ما يمثله شيء ملموس كروي الشكل، ويدخل في صميم موضوع العمل الفني. ففي فنون الحضارات القديمة، حضرت الدائرة، للدلالة على الشمس أو القمر في غالب الأحيان، كما هو الحال في بعض المنحوتات الجدارية الفرعونية، حيث يعلو الرأس قرص مستدير يرمز إلى الشمس.ولعل لوحة «الفلكي» التي رسمها الفنان الهولندي فيرمير عام 1668م، خير مثال يوضح ما نعنيه هنا. فالرجل الظاهر في هذه اللوحة كان يمكنه أن يكون أي شخص لولا الكرة السماوية التي نراها على الطاولة بجانبه.والواقع أن الكرة السماوية والكرة الأرضية ظهرتا في عدد كبير من اللوحات الأوروبية ما بين عصر النهضة والقرن التاسع عشر. وفي معظم الأحيان للدلالة على المكانة العلمية للشخص المرسوم، أو للإشارة إلى عمله كبحار أو كجغرافي أو ما شابه ذلك. وفي ما عدا هذا، لا شيئ يستحق الذكر.فقد كان على الدائرة والكرة أن تنتظرا ظهور الفن الحديث وتحديداً التجريد، لتحتلا المكانة اللائقة بهما في الفن التشكيلي رسماً ونحتاً.ففي عام 1913م، رسم فاسيلي كاندينسكي لوحته الشهيرة «دوائر ضمن مربعات»، ليؤسس بها تيار التجريد الهندسي. وبالفعل، لا نرى في هذه اللوحة أكثر من دوائر متراكزة ضمن مربعات. وظلّت الدائرة حاضرة في أعمال كاندينسكي طوال العقد التالي، حتى باتت أشبه بتوقيعه الشخصي على اللوحة، سواء أكانت مرسومة بدقة هندسية أم يدوياً بشكل عفوي.وحظيت الكرة بدفع كبير في الفن البصري على يد الفنان فيكتور فازاريللي الذي رسم عشرات اللوحات المؤلفة من مربعات هندسية تماماً، تبدأ أضلاعها بالتقوس كلما اقتربت من وسط اللوحة، لتشكِّل ما يبدو كرة أو نصف كرة، ناتئة من اللوحة التي هي في الواقع مسطحة تماماً.والواقع أن التجريد والفن البصري تحالفا مع تبدل الذائقة الجمالية التي صارت ترحِّب بالبساطة أكثر من أي وقت مضى. ونتيجة لذلك ظهرت مئات الأعمال الفنية المعاصرة المكوّنة من كرات بسيطة، بعضها معلَّق في سقف إحدى الصالات الفنية كما هو الحال في «مركز هونف فوف» في ميونيخ بألمانيا، وبعضها موضوع في الأماكن العامة كما هو الحال أمام «متحف مارتا» في هيرفورد بألمانيا أيضاً، أو كالكرة التي صاغها الفنان إريك بريدي لحديقة الفاتيكان.

 

ونتيجة لتطور فن التصميم الطباعي خلال القرن الماضي بات هناك مئات الفنانين المتخصصين في رسم الكرة الأرضية بأساليب تعبيرية وجمالية، تأتي الدقة الجغرافية في آخر اهتماماتها. ومن الممكن بسهولة رؤية المئات والآلاف من الأعمال الفنية المعاصرة على شبكة الإنترنت من خلال البحث عبر غوغل عن: Sphere in art-Images.


الكرة..جوهرة الرياضات والألعاب
لأن الكرة، بفعل خصائصها الفيزيائية المميزة، تتعرَّض لأقل قدر ممكن من الاحتكاك بالأرض، فإنها تصبح قادرة على أن تتدحرج لمسافة طويلة نسبياً عند تعرضها لأية قوة دافعة. وبسبب هذه الميّزة نجد الكرة على اختلاف أنواعها مادة عدد من الألعاب الرياضية، ما كرة القدم إلا أشهرها وأكثرها شعبية في العالم بأسره.فحكاية اللهو مع الكرة، تبدأ منذ الطفولة، باللعب بالكرات الزجاجية (تسمى في بعض المجتمعات العربية: الكِلَّة وجمعها كِلِل)، وتمتد إلى كرة الغولف، اللعبة التي تستهوي كبار السن بشكل خاص. وما بين البداية والنهاية، هناك: كرة السلة، وكرة الطاولة، والكرة الطائرة، وكرة المضرب والكريكت، وكرة الماء.. إلخ. ولكل من هذه الألعاب قوانينها وطريقة لعبها المختلفة تماماً عن غيرها، ولا جامع مشترك فيما بينها إلا تمحورها حول كرة قد تكون من الجلد الطبيعي، أو المطاط أو الزجاج أو الصوف، أو غير ذلك... تتقاذفها الأيدي أو الأقدام أو المضارب الخشبية أو المعدنية.. وفي عصرنا، حيث بلغت الرياضات الكروية مستويات عليا من الانضباط بفعل تضخم بُعدها الاقتصادي، باتت الكرة الخاصة بكل لعبة ذات مواصفات محدَّدة بدقة شديدة. ولو أخذنا مثلاً كرة القدم الأكثر شعبية، لوجدنا أن اتحادها الدولي حدَّد مواصفات كرة القدم التي يجب أن يُلعَب بها في المباريات الدولية وحتى المحلية الرسمية منها. وهذه المواصفات المعروفة عالمياً بالقياسين 4 و5 هي على الوجه الآتي:
للكرة ذات القياس 4
• الوزن: بين 350 و390 غراماً
• المحيط: بين 63.5 و66 سنتمتراً
• الانحراف عن الاستدارة: %2 على الأكثر
• خسران الضغط: %25 على الأكثر
• امتصاص الماء: %20 من وزنها وهي جافّة على الأكثر
• الارتداد عن الأرض (rebound)، في حرارة 20 درجة مئوية:
بين 110 و160 سنتمتراً.
وللكرة ذات القياس 5
• الوزن: بين 420 و445 غراماً
• المحيط: بين 68.5 و69.5 سنتمتراً
• لانحراف عن الاستدارة: %1.5 على الأكثر
• خسران الضغط: %20 على الأكثر
• امتصاص الماء: %15 من وزنها وهي جافّة على الأكثر
• الارتداد عن الأرض (rebound)، في حرارة 20 درجة مئوية:
بين 120 و165 سنتمتراً.

أضف تعليق

التعليقات