قول في مقال

بين «التعليم» و«التربية والتعليم»

قرأت هذا الأسبوع مقالاً بعنوان: «ما قيمة الأستاذ الجامعي؟» كتبه أستاذ جامعي في جامعة أموري الأمريكية. ولأنني أستاذ جامعي اهتممت بقراءة المقال لأعرف ما قيمة الأستاذ الجامعي وما قيمتي أنا أيضاً باعتباري عضواً في هذه المهنة كذلك.

يقول مارك بورلاين، كاتب المقال، إن عديداً من الطلاب يفرحون لدى حصولهم على الشهادة الجامعية والالتحاق بسوق العمل أو متابعة دراساتهم العليا. ولكن مع انتهاء هذا الفصل المميز من حياتهم، وعندما يحاولون استذكار تجربتهم الجامعية، غالباً ما يسقط جزء مهم من مرحلة تعليمهم العالي إلى أسفل الدرجات على سلم الذكريات المهمة: وهو الأساتذة.

يعبِّر معظم الطلاب عن رضاهم عن أساتذتهم، إذ يتلقَّى كثيرون منهم الثناء المطلق في معظم المقررات التي يجلسون فيها. في ستينيات القرن الماضي كانت العلامات بدرجة «ممتاز» لا تتجاوز الـ %15 ولكنّها ارتفعت الآن لتتخطى الـ %43، مما يجعلها أكثر العلامات شيوعاً في معظم الامتحانات.

وما تغيّر أيضاً هو سلوك الأساتذة تجاه طلابهم، إذ أصبحوا ألطف وأكثر تفهماً لهم، لذلك يتخرَّج أكثر من نصف الطلاب وهم يعتقدون أنهم مؤهلون بشكل جيد للكتابة والإدارة والتفكير النقدي وإيجاد الحلول.

يشير مسح أجري في الولايات المتحدة، وتتبع الطلاب منذ عام 1966م، إلى أنه فيما يتعلّق بأهداف الطلاب من دخولهم الجامعة، بلغت نسبة الذين أشاروا إلى هدف «تطوير فلسفة ذات معنى للحياة» %86، أكثر من ضعف نسبة الطلاب الذين أشاروا إلى هدف «تحقيق مستوى مادي مرتفع». ومنذ ذلك الوقت انخفضت النسبة الأولى إلى %45 وارتفعت النسبة الثانية إلى %82.

عندما تكون الجامعات ذات علاقة أكبر بالمهنة أكثر من الأفكار، وعندما يكون الراتب أكثر أهمية من اكتساب الحكمة، يتغيَّر دور الأساتذة. قد يقف الأساتذة في مقدّمة صفوفهم وخلفهم عقود من القراءة والكتابة ومراجع الأرشيف والأبحاث المخبرية وغير المخبرية بالإضافة إلى خبرة طويلة في التعليم، ولكن الطلاب لا يذهبون إلى منازلهم للتعمق بالأفكار التي طرحها عليهم أساتذتهم في الصف، إذ ليس لديهم الرغبة بأن يصبحوا «طلاباً».

ومن ناحية أخرى، هناك رغبة مقابلة عند الأساتذة، الذين يواجهون ضغوطاً لإيجاد وقت للقيام بأبحاثهم، بعدم تشجيعهم على ذلك. نتيجة لذلك، لا يعرف معظم الطلاب تلك المرحلة من التطور، حيث يُؤسرون بعقل متنور، وحيث يكوِّنون هوية ذاتية ناضجة من خلال التماهي بقدوة يمكنهم التشبه بها والتفاعل معها.

لا شك في أن هناك أموراً عديدة تشتِّت الطلاب أيام الدراسة من ممارسة الرياضة والهوايات المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى أن ثقافة الجامعة تعاملهم كزبائن وليس كطلاب. وهي الثقافة نفسها التي ترسم الأساتذة كمن يقدِّمون السلعة لا سيما من خلال استبيانات تقييم الأساتذة من قبل طلابهم.

لن يستطيع أي أستاذ أن يمثِّل السلطة الأخلاقية إذا لم يستطع تحدّي الطلاب في الصف وإشراكهم أبعد من حدود الصف. وإذا لم يستطع ذلك، لن تستطيع أي دراسة جامعية تحفيز العقول لكي تتوق إلى رؤية أوسع. وإذا ما تحددت سلطة الأستاذ بمجرد إعطاء العلامات، فإنه لا يعود «الأستاذ»، ولا شعلة أخلاقية ولا قدوة ولا مصدر إلهام، بل يتحول إلى من يعطي للطلاب صك الاعتماد لا أكثر ولا أقل.

إن أكثر الظواهر التي رصدها المقال أصبحت موجودة في المجتمعات العربية كما هي موجودة في الولايات المتحدة. وربما يكون السبب أن فلسفة إنتاج أكبر «كم» من الطلاب سادت وانتصرت على فلسفة إنتاج «الكيف» الذي هو بطبيعته ذو بُعد نخبوي متميز. لذلك، تزايدت أعداد الجامعات الحكومية والخاصة تزايداً لافتاً في العقدين الماضيين واختلفت مستوياتها اختلافاً بيِّناً. ومن المؤسف أنَّ مستوى التعليم العام قد تدنَّى، إذ إنَّ بعض الوظائف التي كانت تستلزم شهادة ثانوية أصبحت تستلزم شهادة بكالوريوس جامعية وهكذا دواليك.

أما المسألة الجوهرية فتتعلق بحقيقة أنَّ ما كان يُعرف بـ «التربية والتعليم» أصبح مقتصراً على «التعليم» فحسب، أي التأكد من أن الطالب يعرف المعلومات الأكاديمية التي تزوِّده بها الجامعة دون الاهتمام بالإطار التربوي الجامع لهذه المعلومات وتاريخها وفلسفتها. أضف إلى ذلك أن المناهج الحديثة تركِّز على ضرورة التفكير الحر للطالب وليس على الحفظ والتحفيظ. وهذه سياسة جيدة عموماً، إلا أن لها حدوداً علينا التنبه لها. فالحفظ ضروري في بعض المقررات مثل المقررات الأدبية. فالطلاب اليوم لا يحفظون أشعار القدماء والمحدثين على السواء. وقد مرَّ زمن كان فيه الآباء والأجداد يؤرِّخون لأيام العرب باستحضار الشعر والمقطوعات الأدبية البارزة. وما في ذلك إلا خير وثقافة عامة للجميع.

على كل حال، اقتنعت أن أهميتي كأستاذ نقصت وما زادت… وكذلك أهمية المتخرجين في جامعاتنا وجامعات العالم على وجه الإجمال، وإن لم يكن على وجه الخصوص.

أضف تعليق

التعليقات