نقاش مفتوح

هل يمكن استلهام التجربة الفرنسية؟

قابلية اللغة العربية للتحديث

هل يمكن للغةٍ ما أن تغيّر قواعد كتابتها وإملاءها بين ليلة وضحاها بداعي التحديث والانفتاح على التحولات الثقافية والمعارف الجديدة؟ الفرنسيون اتخذوا بالفعل خطوات غير مسبوقة في ضخامتها على هذا الصعيد. فماذا عن اللغة العربية التي يتلمَّس الجميع معاناتها من متاعب متعدِّدة الأوجه في الفصحى والعامية على حدٍّ سواء؟
كان هذا هو محور جلسة النقاش التي عقدتها القافلة مؤخراً بمشاركة عدد من أساتذة اللغة العربية وحضور عدد كبير من المهتمين الذين كانت لهم مداخلات مختلفة في هذا الشأن.

قبل سنة، وتحديداً في شهر نوفمبر الماضي، اتخذت وزارة التربية الفرنسية قراراً بالموافقة على مقترح سبق لـ «الأكاديمية الفرنسية» أن أعدته وتقدَّمت به قبل نحو ربع قرن، ويهدف إلى تحديث اللغة الفرنسية، وأقرَّت العمل به بدءاً من العام الدراسي الحالي. وتتضمَّن عملية التحديث هذه شقين رئيسين: أولهما يتعلَّق بقواعد كتابة بعض المفردات، وثانيهما هو اعتماد كلمات جديدة في القاموس الفرنسي، مصدرها لغات أخرى، وأغلبها من أصل إنجليزي، وأيضاً حذف بعض المفردات من اللغة الفرنسية بعدما انقطع استعمالها.

أثار القرار الفرنسي ردود فعل مختلفة في بلاده بين مؤيد ومعارض. (لم يدخل حيّز التطبيق فعلياً في العام الدراسي الحالي، ويعزو البعض ذلك إلى مسائل تقنية تتعلَّق بإعادة طباعة الكتب المدرسية، فيما يرى آخرون أنه أقرب إلى التمرّد على قرار الأكاديمية). وفي ثقافات عديدة، حظيت الخطوة الفرنسية بوقفة تأمُّل فيما إذا كانت هذه التجربة قابلة للتطبيق على غيرها من اللغات هنا أو هناك. فماذا عن العربية التي تعاني من متاعب تبدأ بتراجع دراستها، ولا تنتهي عند نطقها بعامية اكتسحتها مفردات أجنبية هجينة كما هو معلوم عند الجميع؟

ونظراً للمتابعة الحثيثة التي حظيت بها الخطوة الفرنسية من قِبل المدارس اللبنانية بفعل انتشار التدريس بالفرنسية فيها على نطاق واسع، اختارت القافلة بيروت مقراً لجلسة النقاش هذه.

“فَرْنَسَة”مفردات أجنبية
وبعضها من العربية

أن يحظى تعديل قواعد كتابة بعض الكلمات الفرنسية بهذا الضجيج الإعلامي الكبير، فالأمر لا يعني أن عمل الأكاديمية الفرنسية على تطوير اللغة الفرنسية ينحصر في هذا الإطار. فبموازاة ذلك، تعمل الأكاديمية باستمرار على رصد المفردات الأجنبية التي تدخل قيد الاستعمال في أحاديث العامة ولغة الإعلام والأدب، وتختار منها ما فرض نفسه، وأصبح عملياً مستخدماً ومفهوماً، ولا مفرّ من إعادة استخدامه لاحقاً عندما تدعو الحاجة إليه، فتقرّ أن هذه المفردات أصبحت فرنسية، وتدرجها في القواميس الفرنسية.
وفي المقابل، تقوم الأكاديمية بحذف المفردات الفرنسية التي بَطُل استخدامها منذ وقت طويل، من القاموس الفرنسي.
ويمكن للمهتم زيارة الموقع الإلكتروني للأكاديمية الفرنسية، ليطلع على قوائم المفردات المحذوفة والمفردات الجديدة ومصادرها. وإن كان من «الطبيعي» أن تكون معظم المفردات الجديدة من أصول إنجليزية، فإننا نجد أن انفتاح الثقافة الفرنسية على ثقافات العالم، رفدها بمفردات حتى من الفيتنامية والتيبتية والسنسكريتي القديم…إضافة إلى عدد من المفردات العربية، مثل: مؤذّن، وادي، محراب، مجاهد، كوفية وغيرها، التي ضبطت الأكاديمية طريقة كتابتها كما تُلفظ بالفرنسية.

تطوّر اللغة بين «التبسيط» و«التحديث»
لأن التدبير الفرنسي يهدف، حسبما يقول أصحابه، إلى «تبسيط» كتابتها وتحديثها وتسهيل تعلمها وبالتالي توسعة رواجها، أكَّد بعض المتحدثين في الجلسة أن اللغة العربية، وإن بقيت في مضمونها وقواعدها هي نفسها على مرّ الزمن، فإن شكل استخدامها شهد تحولات كثيرة. وفي هذا الصدد قال الدكتور في اللغة العربية سهيل سليمان في ورقة مكتوبة: «إذا كانت الحجّة أن نرفع اللّغة ونُعمِّمَها، فقد سبقَنا الجاهليّون إلى رفعها، ثمّ العبّاسيّون إلى تذهيبها وتعميمها، فعاشت مع جميع العصور والحضارات ملكة متوَّجة. أمّا إذا تذكَّرنا أزمنة الانحطاط التي أصابت الأُمّةَ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، فقد انعكس ذلك تلقائياً على اللغة التي لم تندثر، بل دخلت في حالة الكُمون الطبيعي إلى أن حلّت النهضة الحديثة؛ ومِن هنا تبدأ الحكاية.. فحين يقول الشيخ إبراهيم اليازجي إنّ اللغة كائنٌ حيٌّ، نصادق عليه بأنّ الحيَّ لا يعيش إلَّا مع حيٍّ».

وأضاف عن حال العربية اليوم: صارتِ العربيّة – عند كثيرين جداً – لغة مجافيَةً للعلوم العصريّة المختلفة، وبات همُّ المتعلِّم أن يتقن الأجنبيّةَ، لغةَ الاقتصاد والمال وسائر العلوم النفعيّة. هل ترَون الأحرف المتفرنِجة عبْر الرسائل النصّيّة وسائرِ وسائل التواصل الإلكترونيّة؟ كيف صارت الحاء والعَين وغيرُهما أرقاماً؟ هل تلاحظون كيف يُدخِلُ الإعلاميّون في محادثاتهم اللغاتِ الأجنبيّةَ؟ لكنّ الطبيب – مثالاً – يستعمل العربيّة الخالصة إلَّا في المصطلحات الخاصّة. لقد صارت المسألةُ ملهاةً مُبكية!.

ولأن الإصلاح الفرنسي طاول كتابة بعض الأحرف، ولربما في معرض الردّ على الذين طالبوا قديماً بتغيير الحرف العربي، تساءل الدكتور سليمان: «لو غيَّرْنا اللغةَ وغيَّرنا الحرف العربي، ماذا سيفهم الجيل المقبل من لغة تراثه؟ ألا ينقطعُ عنها تماماً فيضيعَ تاريخه وتضيعَ حضارته؟ ولْنتخيَّلْ ماذا حصل للُغة الهنود الحمر في أمريكا، حين فُرضتْ على أصحابها الإنجليزيّةُ، وكيف اندثرت لغتُهم وصارت حضارتهم تاريخاً شفهيّاً في خاطر الحنين».

قالت الأستاذة جيزيل كمال: اللغة العربية لم تواكب التكنولوجيا، لا على مستوى المسؤولين عنها ولا من سواهم. فنحن ليس لدينا لغة عربيّة تمكّن الشباب من استعمالها في كافة مجالات الحياة…

وحول التبسيط اللغوي، تحدَّث الأستاذ أنطوان أبو زيد الذي قال: «إن مسار اللغة العربية في نهضتنا الأولى، أي منذ عام 1825م وصولاً إلى القرن العشرين، كان مساراً تبسيطياً، إذ تخلصت اللغة من الزخرف الذي علق بها في عصر الانحطاط. وكان هذا التبسيط مرادفاً للتجديد. إذ إن كتّاب النهضة، منذ أحمد فارس الشدياق الذي كان أول من أرسى قواعد التبسيط في لغة الصحافة العربية، أبدعوا في هذه اللغة. وبالتالي، يمكننا أن نقول إن التبسيط بدأ مع كتّاب النهضة الذين كان همّهم أن يبلغوا العربية ويجعلوها حديثة وجديدة تتسع للنهضة وتتسع للتمدن».

وأضاف: لم يعد التبسيط هو جوهر الانشغال اللغوي بعد العشرات، بل المئات من الأعمال في القواعد والمعاجم والدراسات اللغوية، لأنّ اللغة العربيّة الجديدة انتصرت في بدايات النهضة. وأقول انتصرت؛ لأنها عمّت صالات لغة الكتّاب الرسميّة، لغة العلوم الإنسانية الكبرى التي تعلّم في الجامعات. إذًا، باتت اللغة الجديدة هي اللغة المتبعة».

«اللغة تتطوَّر، بي ومن دوني»
وانطلاقاً من توضيح خطوة الأكاديمية الفرنسية، أعربت الأستاذة جيزيل كمال عن قناعتها بـ «حتمية تطور اللغة وفق مسار طبيعي»، إذ قالت: «ترى هيئة الأكاديمية الفرنسية أننا إذا أردنا أن نحدّث في اللغة، فإنّ هذا الأمر يتمّ دون أن نفرضه على أحد. وهذا أمر صحيح. ومثلما قلتم جميعاً، إن اللغة هي الجسد الحي الذي نعيش داخله وهو كلام صحيح مئة بالمئة، فإن هذه اللغة ستتقدَّم مع الوقت بي أو من دوني، ومن دون انتظار الناس لتحديد كيف يريدون تغييرها. هذا من أوّل الأمور.

الأمر الثاني هو أن عدد الكلمات التي عملت عليها الوزارة في فرنسا بلغ نحو 2000 كلمة، في حين أن 59000 كلمة ستظهر في شكل جديد في معجم الأكاديمية حتى تواكب اللغة العلوم والحياة والحداثة. فنحن ليس لنا الحق في حصر اللغة في مفردات تبقى كما هي لسنوات عدّة.

وأضافت: انتقدتم الشباب الذين يتكلمون اللغات الأجنبية، فأين المواطن العربي من الفيسبوك؟ ومن الواتساب؟ إن اللغة العربية لم تواكب التكنولوجيا، لا على مستوى المسؤولين عنها ولا من سواهم. فنحن ليس لدينا لغة عربيّة تمكّن الشباب من استعمالها في كافة مجالات الحياة. على الشباب مواكبة التطور الحاصل من حوله، وعلى اللغة أن تؤمِّن له القدرة على التعبير خلال المواكبة. إن حلّ مشكلتنا ليس في التبسيط، إنّما حاجتنا هي للتحديث ليتمكّن الشباب من مواكبة عصرهم لغوياً.

علينا، في الحصة العربية في المدرسة، أن نراقب الأدوات التي يستعملها الطالب الذي يتعامل مع اللغة، ماذا يقرأ وماذا يكتب وماذا يخطر بباله أن يقوله. فنحن نخلق أجيالاً خرساء لا تعرف أن تتكلم، تفتقر إلى الإطار اللازم الذي يمكنها من خلاله التحدّث بشكل حضاريّ. فالطالب غير القادر على التعبير عن شخصيّته بشكل حضاري، لا يمكنه أن يعبّر عن طبيعة مجتمعه واحتياجاته وغير ذلك».

ولكن، إذا كان تطوّر اللغة على مثل هذه الدرجة من «الحتمية»، فلماذا لم ينطبق ذلك على العربية؟

المتحدِّثون في النقاش
• الدكتور سهيل سليمان
– دكتوراة في اللغة العربية وآدابها
– أستاذ جامعي
– مدرب معتمد من المركز التربوي للبحوث والإنماء• الشاعر والكاتب جورج شكور
– مجاز في الأدب العربي وتاريخ الحضارة
– عضو في المجمع الثقافي العربي
– لديه عدة دراسات في موضوع تطوير اللغة العربية• الدكتور أنطوان أبو زيد
– أستاذ في تعليم اللغة العربية
– رئيس قسم اللغات والآداب في كلية التربية
– مترجم عن اللغة الفرنسية• سارة ضاهر
– صحافية ورئيسة جمعية «بالعربية» التي تُعنى بمواضيع تطوير اللغة العربية

لا مساس بالقواعد.. التعليم مسؤول
عندما يكون معظم المشاركين في النقاش وحاضريه من أساتذة اللغة العربية ومدرِّسيها، فمن الطبيعي أن يتجلّى شكل من الرفض القاطع للمساس بقواعد اللغة العربية على غرار المثال الفرنسي. حتى إن كثيرين منهم رفض حتى مجرد التطرق إلى الفكرة. ولكن في المقابل توجهت حراب المتحدثين والحضور بالدرجة الأولى إلى التعليم الذي حمّلوه المسؤولية الأولى عن تقهقر مكانة اللغة العربية في مجتمعاتنا.

فقد رأى أبو زيد أن العربية لغة حيّة. «ولكننا نسيء تعليمها وتعلمها»، وقال: «إن المسار الأصعب الذي أراه منذ أواخر القرن العشرين بتحدّياته الكبرى هو مسار تعلّم اللغة العربيّة بما تعنيه كلمة تعلّم التي نترجم بها». وأورد تحديات تعلم العربية كما يراها على أنها:

• أولاً، إعادة الاعتبار إلى اللغة العربية باعتبارها خزينة التراثين الديني والأدبي لدى العرب ومنبراً لا نزاع حول أولويته.
• التحدي الثاني، إعداد معلّمي اللغة العربية ومعلماتها إعداداً عصرياً وحديثاً يواكب النظريات التعلّمية من معارف وأولويات وطرائق ووسائط تكفل الانتقال بتعليم العربية الجديدة من حالة التلقين المكروه والسائد اليوم، والفاشل الذي أثبت فشله، إلى حال تعلّم طلابنا واكتسابهم لغتهم الأم واستقبالهم إيّاها في ذواتهم، وإحلالها في نفوسهم المحل الذي يليق بها لغة معرفة ولغة حياة ولغة تفكير فلسفي وديني وعلمي ومهني وما شئت من مجالات الحياة.
• والتحدي الثالث، هو السعي إلى رسم سياسات تُشجّع الأجيال الشابة على الكتابة الإبداعية والوظيفية باللغة العربية الفصحى المبسّطة والجديدة والحيّة، دون الخشية عليها من تداخل العامية ولا من تداخل اللغات الأجنبية.

إذا تذكَّرنا أزمنة الانحطاط التي أصابت الأُمّةَ سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، فقد انعكس ذلك تلقائياً على اللغة التي لم تندثر، بل دخلت في حالة الكُمون الطبيعيّ إلى أن حلّت النهضة الحديثة

• أما التحدي الأخير، فهو سعي أصحاب القرار أيضاً إلى تبنّي المبادرات، لأنّ تبسيط اللغة وتعلمها وتعليمها ليس شأن باحث أو كاتب أو أستاذ في الجامعة وحده، وإنّما يجب أن يكون همّ المؤسّسات الكبرى وهمّ السياسات، سياسات الدولة بحد ذاتها، والعمل على تبنّي المبادرات الفردية والكتب المدرسيّة بالفصحى العصرية والحديثة، والمنتجات الفكرية والأدبية التي من شأنها أن تجذب الأجيال الشابة وتنمي تذوقها فنون هذه اللغة المختلفة شعراً ومسرحاً وروايةً وقصةً وكتابةً وبحثاً وغير ذلك.

وقالت الأستاذة نازك بدير في مداخلتها: كان حريّاً بنا أن نلتفت إلى هذا الموضوع قبل أن يثار في فرنسا من الأكاديميّة الفرنسيّة، وأن نستشعر الحاجة إلى عمل ما قبل الأكاديميّة الفرنسية، ولكن بحث الأمر متأخراً أفضل من ألَّا يبحث أبداً. فهذا الموضوع كان وما زال موضوعاً مهماً جداً، خاصّة عندما نتطلع إلى نتائج الدراسات والإحصاءات في الجامعات في لبنان وغيره من البلدان العربية، الخاصة منها والحكومية، حيث نشاهد تراجع عدد الطلاب الذين يسجّلون في معظم اختصاصات اللغة العربية. وحتى عندما يتمّ التسجيل في اختصاص اللغة العربية، لكونها لغة اختياريّة، ينظر إليها معظم الطلاب على أنّها مادة منفّرة وغير مثيرة للاهتمام، وكأنها مادة لا تعنيهم، لا من قريب ولا من بعيد، أو كأنها شيء مستحيل أن يتأقلموا ويتآلفوا معه.

وأضافت: كان يفترَض فينا نحن، ومنذ البداية، أن نبحث ونزيل الهواجس والأوهام من أذهان الطلاب، ونغيّر صورة اللغة في مخيّلتهم. وليس عند بلوغهم المرحلة الجامعية، وإنّما عندما يكونون في عمر أصغر، حتى يصلوا إلى المرحلة الجامعية متصالحين مع اللغة. أي إنهم عند وصولهم إلى المرحلة الثانويّة والجامعيّة، يكونون قد تقبّلوا لغتهم العربية فيختارونها كمقرّر، حتى إذا كانوا طلاب طب أو هندسة أو كمبيوتر أو أي لغة من اللغات. فلا يكون هذا المقرّر وسيلة ضغط عليهم، إنّما وسيلة لإدراك عظمة هذه اللغة وأهميتها.

وشدّدت بدير على أن: «لدينا الوقت الكافي للالتفات لهذا الموضوع، والبدء بالعمل عليه. فنحن نعاني من تعقيد كبير في قواعد اللغة العربية، وعلينا أن نساعد الطلاب في الصفوف الابتدائية والمتوسّطة ونبعدهم عن هذه التعقيدات، فنجعل الدروس غير صعبة وغير معقَّدة من حيث قواعد اللغة، ويمكننا القول إنّ الصعوبة تكمن في الطريقة التي يقدِّم بها المعلّم أو المعلِّمة قواعد اللغة، والأمثلة التي يستخدمونها لإيصال المعلومة هي حالياً أمثلة غير مناسبة، فنستنتج أنّ المشكلة ليست في القاعدة، وإنما في الطرائق التعليميّة التي لا تتناسب مع صغار السن والأجيال التي تبحث عن الطرائق المتماشية مع علومهم وتطوّراتهم، لأنّهم سبقوا عصرهم بكثير، وليس بإمكاننا أن نعلّمهم درس قواعد ونعطيهم أمثلة تنتمي إلى الماضي، أمثلة عن زيد وعن عمر مثلاً، أو نعطيهم دروساً عمرها أكثر من عشرين سنة، تُعطى لهم وللأجيال من قبلهم، لذلك علينا التحديث والتطوير والتبسيط».

ونحا الدكتور سليمان المنحى نفسه لجهة وجوب تحديث تدريس قواعد اللغة العربية وتبسيطها (وقطعاً ليس تعديل القواعد)، فقال: «يجب أن ينطلق التعليم في المرحلة الابتدائية الأولى، من مادّة القواعد، وأن يتمّ تعليم اللغة والكتابة بالمحاكاة، والاعتماد على اللغة الفصيحة في الأمثال (تروى، تتلى، تحفظ، تكتب).. وثمة أمر آخر يجب الالتفات إليه وهو تبسيط تدريس قواعد اللغة في المراحل العليا. فعندنا مثلاً أمور نختلف كثيراً حولها، فنقول لا يجوز كذا ولا يجوز كذا.. علينا جمع هذه الخلافات كلها وجعلها مقبولة إلى حد ما. على سبيل المثال، فإن الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة المثنى أهي معربة أو مبنية؟ ما الفرق بين قولي معربة أو مبنية، أين الخطأ إذا تم تجويز الاثنين؟ ما الهدف والغاية من إعراب الجمل؟ إنكم تحتاجون درساً كاملاً لإعراب الجمل، ويمكن أن تحتاجوا إلى أكثر من حصة ليستوفى الدرس. كما أن لدينا المثنى والملحق بالمثنى، فإذا كتب الطالب مثنى، ولم يكتب ملحق بالمثنى يأخذ علامة ناقصة، الأمر نفسه ينطبق على الملحق بالمذكر السالم.. لماذا هذا التعقيد؟ نكتب جمع مذكر سالم وهذا يكفي، وهناك أمور كثيرة على هذا المنوال..».

الكاتبة هدى عيد كان لها مداخلة قصيرة في هذا الشأن رأت فيها أن «اللغة العربية ليست اليوم بخير، لأن حال الأمة العربية ليس بخير». وقالت: إنّ فكرة التبسيط ليست فكرة مرعبة. ولكن يجب على من يبسّطها أن يكون قيِّماً عليها، وأن يفهم ويفقه جوهرها. إن الجيل الجديد الذي يتعاطى مع معطيات علميّة حديثة، يتضمَّن غالبها مفردات غربية، يجد سهولة كبرى في استعمالها. أنا مع تدريس القواعد الوظيفية التي يشعر بها الطالب، والتي لها علاقة بالنص ويعرف مدى ضرورتها، مثل تفهيمه أسلوب الشرط بحيث يعرف أهميته، وسبب تعلّمه، لتكون دراسة تكامليّة ومتمّمة للّغة. فنحن أمام جيل لديه معطيات مختلفة في القرن الواحد والعشرين».

ما الذي حصل في فرنسا بالضبط؟
في السادس من ديسمبر 1990م، أي منذ حوالي 26 عاماً، أصدر المجلس الأعلى للغة الفرنسية (المعروف شعبياً بـ«الأكاديمية الفرنسية») تعميماً مفصلاً من 17 صفحة، وصف فيه مجموعةً من الإصلاحات المقترحة لتبسيط اللغة الفرنسية على نطاق ما يقارب 2,400 كلمة، ولم تتلقف هذه الإصلاحات أي جهة رسمية أخرى، وبالتالي لم يتم العمل بها لربع قرن.
الأرجح أن عبارة «الربع قرن» على وجه التحديد كانت من عوامل إعادة تحريك ملف الإصلاحات هذه، ذلك لأن وزارة التربية الفرنسية استجابت لهذه الإصلاحات في 26 نوفمبر 2015م، أي قبل أن ينقضي 25 عاماً على وضع الإصلاحات بعشرة أيام، وأصدرتها أخيراً في جريدتها الرسمية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الإصلاحات غير إلزامية، بمعنى أن الأشكال الجديدة للكلمات لا تجعل من الأشكال القديمة أشكالًا «مغلوطة» بحسب الأكاديمية الفرنسية، بل أصبح للكلمات المعنية بالإصلاحات شكلان مقبولان تربوياً، وللكاتب أن يختار ما بين الكتابة على الطراز القديم أم على الطراز الجديد، علماً أن الرهان هو بطبيعة الحال على البطلان التدريجي للأشكال القديمة بمرور الزمن.
ثمة تسعة أشكال للإصلاحات اللغوية لا يستلزم شرحها غوصاً عميقاً في تفاصيل اللغة الفرنسية، نذكُر على سبيل التوضيح عيّنة منها:
• الأعداد التي تتألف من كذا كلمة، تُربط كلماتها معاً بشرطة: عوضاً عن أن نكتب vignt et un (أي واحد وعشرين)، نكتب vignt-et-un. من شأن الأمر هذا أن يوضح للقارئ ما إذا كان العطف جزءاً من العدد، أم منفصلًا عنه.
• توحيد الصيغة المعتمدة لجميع الكلمات المؤلفة من جزأين، بحيث أن تغيب عنها (S) الجمع إذا ما كانت مفردة، حتى إذا كانت الكلمة تشير إلى شيء مجموع بطبيعته: على سبيل المثال، القطّارة بالفرنسية اسمها compte-gouttes، أي عدادة القطرات (gouttes). حسب الإصلاحات الجديدة، صارت القطارة المفردة تُكتب compte-goutte، واقتصر إملاء compte-gouttes على صيغة الجمع للكلمة نفسها.
• الاستغناء عن بعض الاستثناءات الإملائية، حيث كان الفرنسيون يكتبون الـ (é) ويلفظونها (è). مثلًا، لطالما كانت كلمة «حدث» تُكتب événement رغم كونها تُلفظ évènement. الآن، صار الفرنسيون يكتبون الكلمة évènement، أي كما يلفظونها.
• توحيد إملاء الأفعال المضارعة التي كان ينتهي بعضها بأحرف –èle وبعضها الآخر بأحرف –elle. الآن، أصبحت جميعها تنتهي بأحرف –èle. مثلًا، كانت كلمة «أكدّس» تُكتب j’amoncelle، فيما الآن صارت تُكتب j’amoncèle.
• تخضع الكلمات المستوردة لنفس قواعد الإملاء التي تنطبق على الكلمات الفرنسية. مثلًا، كلمة match (أي مباراة) ذات الأصل الإنجليزي يتداولها الفرنسيون بشكلٍ عادي، وقد كانوا يجمعونها بإضافة es إليها مثلما يجمعها الإنجليز، علماً أن الكلمات الفرنسية لا تضاف إليها إلا (s) الجمع فقط. الآن، وبعد أن كانت تُجمع matches، صارت تُجمع matchs.
• الاستغناء عن الشرطة في الكلمات المركبة إذا ما لم تكن أعداداً، وذلك لأنه لا ضرورة لوجودها أساساً. بالتالي، porte-monnaie (محفظة) تصبح portemonnaie، و tic-tac (تكتكة) تصبح tictac.
• تم الاستغناء عن القبعة (accent circonflexe) فوق حرفي الـ (i) والـ (u)، وهي علامة صوتية لا تقدّم ولا تؤخر لفظياً إذا ما جاءت فوق هذين الحرفين. تم الاحتفاظ بها فوق حرف الـ (e) لأنها تؤثر بالفعل على طريقة لفظه، كما تم الاحتفاظ بها في خمس كلمات استثنائية لكون غيابها عنها يؤثر على معنى الكلمة: مثلًا، تم الاحتفاظ بها في كلمة sûr (متأكد) لأن كلمة sur بلا قبعة تعني «على».
تجدر الإشارة إلى أن الإصلاح الأخير هذا هو الأشهر، لكونه الوحيد الذي يطيح بعلامة صوتية من مجموعة كبيرة من الكلمات (عوضاً عن نقلها من حرف إلى آخر، أو النظر إلى (s) الجمع مثلًا)، بل حتى إنه يؤثر على جيل بأكمله من الرجال الذين يحملون اسم «جيروم»، والذين كانوا يكتبون اسمهم Jérôme فصاروا يكتبونه Jérome تبعاً للإصلاحات؛ حتى إن أوساط تويتر شهدت هاشتاغ عنوانه #JeSuisCirconflexe، أي «أنا أتضامن مع علامة القبعة» لأولئك الذين سوف يستفقدونها على كثير من كلمات الفرنسية.
أحمد عثمان

مواجهة غزو المفردات الأجنبية
وكانت مداخلة عيد فاتحة محور تراجع اللغة العربية أمام هجوم المفردات الأجنبية. وإن كان من المفهوم استخدام المفردات الأجنبية غير المعرّبة في مجالات الكتابة العلمية، فمن غير المفهوم تمدد حضور الكلمات الأجنبية إلى مجالات تزخر العربية بكثير من التعابير السهلة والمفهومة اللازمة لها.

وعندما تساءلت مديرة الجلسة الإعلامية ضاهر عمَّا إذا كان اعتماد بعض التعابير الإنجليزية، كما بات رائجاً بالفعل في الحياة الشبابية يعود إلى «تعقيدات» اللغة العربية التي تفرض التثنية والجمع والتأنيث والتذكير، قالت كمال: إن هذا الكلام فيه بعض الخطورة. فتبسيط اللغة لا يعني تقليد لغة ثانية. فلكل لغة خصوصيتها. وإذا لم يكن في الإنجليزية مثنى، فهذا لا يعني إلغاءه من لغتي. إني شخصياً أعتقد بأنني ذات غنى كبير لامتلاكي لغة فيها مثنى وجمع. نحن لدينا وضع خاص، لأننا نكتب بلغة، ونتحدث بلغة مختلفة بعض الشيء عنها. علينا أن نطرح السؤال بشكل آخر، فنقول: لماذا أصبح هذا العدد الكبير من الناس يتحدثون بالإنجليزية؟ لأن في الإنجليزية حركة كبيرة وصناعة. وإذا قررنا عدم ترجمة أي شيء «سنتبهدل».

من جانبه قال د. سهيل سليمان: أنه بالنسبة للمصطلحات والمفردات فإن أبواب الاشتقاق مفتوحة وكثيرة جداً جداً. وهناك نوع من الاشتقاق الذي أخذناه عن الأجنبي وعن اللغات الأجنبية، على سبيل المثال، كلمة «الشرق الأوسط» كلمة واحدة إذ إنها لم تكن كذلك في اللغة العربية، ونقول أيضاً العنف واللاعنف، ونهاية ولانهاية، بالإنجليزية أو الأجنبية. فنحن قد أدخلنا السوابق واللواحق، وهذا النوع من الاشتقاق لم يكن أصلاً في اللغة العربية. من هنا نجد أنّ أبواب الاشتقاق كثيرة لا تُعدّ ولا تُحصى. إذاً، فالأبواب مفتوحة لكي نجدّد ولكي نشتق ولو اختلفنا أحياناً، ولا يعدّ هذا من باب التبسيط».

كان حريّاً بنا أن نلتفت إلى هذا الموضوع قبل أن يثار في فرنسا من الأكاديميّة الفرنسيّة، وأن نستشعر الحاجة إلى عملٍ ما قبل الأكاديميّة الفرنسية

وأضاف: «أمّا معنى التقبُّل فناتجٌ من قوّة المصدِّر أوّلاً، ومن حاجة المستورِد ثانيّاً؛ فعندما حصلت انتفاضة الحجارة في فلسطين المحتلة، تقبل الغربي كلمة Intifada. ولكن، من هي الجهة المخوّلة بالاشتقاق والتعريب؟

المجامع اللغوية العربية. ولكن هذه المجامع شبه المعطلة، وسلَّم الحاضرون بأسف بغيابها شبه الكليّ عن الساحة. إنها السلطة اللغوية التي يفترض فيها أن تضطلع في البلاد العربية بما تضطلع به الأكاديمية الفرنسية في بلادها. وعليه، وإلى أن يعاد تفعيل هذه المجامع، سيبقى هجوم المصطلحات والمفردات الأجنبية على ما هو عليه، وسيبقى الاعتماد على التعلّم والتعليم وتطويرهما، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو تحسين الأحوال، بشكل سيبقى محدوداً على الأرجح.

أضف تعليق

التعليقات

خليل محمود الصمادي

اعتقد أن للغتنا العربية خصوصية متفردة فهي لغة تراثية ارتبطت ارتباطا وثيقا بالقرآن الكريم يمكن أن نجدد أساليب تعليم اللغة أو تبسيطها أو إدخال بعض الألفاظ المستحدثة وهذا ليس بدعا فالأقدمون فعلواذلك

خليل محمود الصمادي

عفوا هل التعليق محدد بعدد من الحروف لم استطع أن أعبر عن فكرتي كما أريد!!