ماذا لو؟

استقام محور الكرة الأرضية؟

قديماً حار العلماء والمفكرون في أسباب حدوث بعض الظواهر على سطح الأرض، فقد تساءل بعضهم عن سبب تغير أحوال الطقس على مدار العام، فيما انشغل البعض الآخر بآلية الليل والنهار، وتساءلوا حول اختلاف طول الليل والنهار في المناطق المختلفة، يا ترى ما هو السر الذي يحمل في خباياه حدوث هذه الظواهر الفلكية؟
بعد التقدم في ميادين العلوم والفلك، فسَّر العلماء هذه الظواهر بميلان محور الأرض، حيث إن للأرض محوراً وهمياً يقطعها من نقطة القطب الشمالي إلى نقطة القطب الجنوبي مروراً بمركزها. وافترضوا أن من الممكن أن يعمل هذا الميلان مع دوران الأرض حول الشمس في اختلاف زاوية الأشعة الساقطة على الأرض، ومن ثم في اختلاف  الأحوال المناخية طوال العام، لتتشكّل بذلك ملامح الفصول المختلفة. واليوم، بات ميلان محور الأرض حقيقةً علمية مؤكـدة تفسِّر حــدوث الفصول الأربعة.
تدور الأرض حول الشمس مرة كل 365 يوماً تقريباً بمحور مائل، يتسبب هذا الدوران مع ميلان المحور في اختلاف كمية الأشعة الواصلة إلى نصفي الكرة الشمالي والجنوبي. ومن العوامل المهمة في حدوث ذلك هو ثبات محور الأرض في ميلانه، بمعنى أنه يميل في اتجاه واحد طوال دورته حول الشمس، ونتيجة لهذا الثبات، فإن القطب الشمالي يكون مواجهاً للشمس في إحدى مراحل الدورة ليحظى النصف الشمالي بنصيب وافر من الأشعة الشمسية، وبالتالي يحدث الصيف في النصف الشمالي والشتاء في النصف الجنوبي. وبعد نصف دورة حول الشمس وبسبب ثبات المحور في اتجاه ميلانه، يكون القطب الشمالي غير مواجه للشمس فيما يكون القطب الجنوبي هو المواجه، وبالتالي يحدث الصيف في النصف الجنوبي والشتاء في النصف الشمالي، وفي أثناء تحرك الأرض بين هاتين النقطتين تحدث الفصول الانتقالية وهي الربيع والخريف.
ولكن من حقنا أن نتساءل: كيف لنا أن نقول إن محور الأرض مائل في فضاء شاسع ومطلق، حيث لا توجد اتجاهات؟ الإجابة تكون نسبية، بمعنى أننا نقول إن محور الأرض مائل بمقدار 23.5 درجة بالنسبة إلى مدار الأرض حول الشمس، إن هذا المقدار في الميلان يدفعنا بدوره إلى التساؤل: ما الذي سيحدث لو كان محور الأرض مستقيماً بالنسبة إلى مدار الأرض حول الشمس؟
لو أغمضت عينك في منتصف الليل، وحلمت بأن هناك جرماً فلكياً بحجم القمر اصطدم بالأرض ليجعل محورها مستقيماً تماماً، سيكون هذا حدثاً مأساوياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فدوران الأرض حول الشمس بمستوى عامودي سيكون بلا أي تأثير على أحوال الطقس، بمعنى أن ظاهرة الفصول المتتالية ستختفي تماماً، وستثبت  الأحوال المناخية على حالها طوال العام، حيث ستسقط أشعة الشمس بشكل عامودي على خط الاستواء طوال العام، وبالتالي ستكون هناك مناطق صيفية دائمة، ومناطق شتوية دائمة، ومناطق انتقالية فيما بينهما. كما سيتساوى طول الليل والنهار في أي مكان على سطح الأرض كون الأشعة الشمسية تسقط عامودية بنفس الدرجة على منتصف الأرض طوال العام، إن هذا التوزيع غير العادل للأشعة الشمسية من شأنه أن يدمِّر نظم الطقس والمناخ على الأرض، فتفاوت الفارق الحراري بين المناطق على دوائر العرض المختلفة سيعمل على خلق فارق كبير في مقدار الضغط الجوي ومن ثم في سرعة الرياح وأنماط الهطول، مما يعني أن أحوال المناخ ستكون كارثية. ولو أردنا أن نتحدَّث عن حال الأحياء أيضاً، فلا نعلم ما هو النوع القادر على التكيف مع ذلك. فمثلاً، من المعروف أن بعض الحيوانات تمارس نوعاً من السبات الطويل في الصيف تجنباً للحرارة الشديدة، وتخرج في الفصول المعتدلة للعيش والأكل، ما الذي سيحصل لها لو كان الصيف سائداً طوال العام؟ هل سترقد إلى الأبد؟ أم أنك ستفتح عينيك وتستيقظ من النوم لإنهاء هذا الكابوس المرعب!

أضف تعليق

التعليقات

احمد

اقف متحيّر وربما نموت جميعاً

Ahmad

مقال رأئع بأسلوب سلس مبسط رغم دقة معلوماته….
ألف شكر د.جاسم

Ahmad

مقال رائع بتميز بدقة معلوماته وسبكا الجيد…وبساطة الأسلوب..
شكرا أستاذ جاسم.