العلم خيال

ما الذي تخبئه

المادة المظلمة؟

تتفوَّق كمية المادة المظلمة على المادة العادية بنسبة كبيرة في هذا الكون، ويلفها الغموض لأنها لا تتفاعل مع المادة العادية والطاقة العادية، أي إننا لا نستطيع أن نشعر بها إطلاقاً. فماذا لو كانت تخفي في طياتها حياة ضخمة بحجم ضخامتها؟ وحياتنا -على كوكب الأرض- بالنسبة لها لا تشكِّل أكثر من حبة رمل في صحراء شاسعة؟ وماذا لو أن هذه الحياة متقدِّمة بالفعل بحيث إننا نحن البشر لا نستطيـع أن نميِّزها عن قوانين الفيزياء؟

يعود اكتشاف المادة المظلمة (Dark Matter) إلى عام 1933، حين درس العالِمُ الفيزيائي الفلكي السويسري فريتز زويكي مجموعة من المجرَّات تعرف باسم “عنقود كوما” المجري (Coma Cluster)، واستنتج من خلال دراسته وجود كتلة غامضة هي المسؤولة عن تماسك المجرَّات وإبقاء العنقود متماسكاً من دون أن ينفصل، واستنتج أيضاً تفوق هذه الكتلة الخفية على المادة العادية في المجرَّة بنسبة كبيرة جداً، وقد أطلق عليها اسم (المادة المظلمة).

في عام 1970، بعد أربعة عقود على اكتشاف المادة المظلمة، تمَّت المصادقة على استنتاجات فريتز زويكي، عندما قامت عالمة الفلك الأمريكية فيرا روبين وعالم الفلك الأمريكي كنت فورد، بدراسة دوران مجرَّة “أندروميدا” ومجرّات حلزونية أخرى، ووجدا أن هذه المجرات تدور بسرعة أكبر من التي توفِّرها كتلتها المرئية. إذ إن سرعة دورانها متساوية في المركز والأطراف تقريباً، ما يعني تناقضاً في قوانين الفيزياء وانتهاكاً واضحاً لها، إذ إنها تقول إن السرعة في أطراف المجرّة تنخفض عن السرعة في وسط المجرَّة، لأنه كلما زادت المسافة قلّت السرعة نظراً لضعف الجاذبية، أي إن العلاقة عكسية بين بُعد الكوكب عن الشمس وسرعة دورانه كما يفيد قانون كبلر الثاني. ولتوضيح الفكرة، فإن كتلة الشمس تجذب عطارد ليدور أسرع من بلوتو. وعلى هذا، بات واضحاً وجود كتلة خفية وغير مرئية، تعمل على تماسك هذه المجرَّات، ووجود آثارها الجانبية هو الدليل القوي على وجودها.

ما هي الطاقة المظلمة؟
في أواخر القرن العشرين، وتحديداً في عام 1998، لاحظ العلماء أن الكون يتوسَّع بوتيرة أسرع، مما يعني أن الكون كان يتمدد في الماضي بشكل أبطأ مما هو عليه الآن! ويتناقض هذا مع الافتراض الشائع الذي يذهب إلى أن سرعة تمدد الكون تتباطأ بسبب قوة الجاذبية. فتخيل أنك قذفت كرة للأعلى فبدل أن تسقط إلى الأسفل تحت تأثير قوة الجاذبية، فإنها سوف تستمر في الصعود إلى الأعلى! وعلى هذا افترض العلماء وجود قوة هائلة طاردة تدعم سرعة تمدد الكون. وفي عام 1999، تم إطلاق اسم “الطاقة المظلمة” من قِبل الفيزيائي الفلكي الأمريكي مايكل تيرنر على هذه القوة، وذلك لغموض تفسيرها على غرار أختها المادة المظلمة. وهذه الطاقة هي المسؤولة عن تمدد الكون أسرع وأسرع، حيث تعمل على مواجهة المادة المظلمة وفي حرب دائمة معها منذ بداية الكون، وكانت تحت سيطرة المادة المظلمة في المرحلة المبكِّرة من عمر الكون، عندما كان الكون حاراً وكثيفاً وصغيراً. أي إن الطاقة المظلمة لم تكن ذات أهمية في المراحل الأولى من عمر الكون، وعندما برد الكون وتوسع، تشتت المادة المظلمة وقلَّ تأثيرها، فبدأت الطاقة المظلمة تتحرر من سيطرتها، وأصبحت أكثر هيمنة، وقامت بتوليد ضغط سلبي مقاوم للجاذبية، وبدأ الكون يتسارع في تمدده.

مستقبل الكون
إلاَّ أن مستقبل الكون ما زال مجهولاً. وهو أمام خيارين: إما أن يتوسع ويتباعد عن نفسه ويتمزق ويصبح صقيعاً مظلماً، أو ينهار وينكمش على نفسه ويصبح جحيماً مسعوراً. وفي كلتا الحالتين، فإن نهاية الكون كئيبة وحزينة ولا تبعث على السرور إطلاقاً! وهذه النهاية الحزينة تحدِّدها الكثافة الكونية. فإذا كانت أقل من القيمة الحرجة سيستمر الكون في توسعه إلى الأبد. أما إذا كانت كثافة الكون أكبر من القيمة الحرجة فسيتوقف الكون عن توسعه وينكمش على نفسه ويعود إلى ما يشبه الانفجار العظيم!

مكوّنات الكون
وجد العلماء من خلال أبحاثهم أن الكون يتألَّف من ثلاثة أشياء رئيسة: الطاقة المظلمة وتشكِّل الغالبية العظمى من هذا الكون، حيث تبلغ نسبتها %68.3، المادة المظلمة وتشكِّل %26.8، والمادة العادية التي تتكوَّن منها المجرَّات والنجوم وجميع ما نراه بما فيها نحن البشر لا تشكِّل أكثر من %4.9.

وعلى هذا، فإن المادة العادية التي هي صورة للطاقة بالرجوع إلى معادلة أينشتاين، لا تتجاوز نسبتها في هذا الكون %5، أما الباقي فهو من نصيب المادة المظلمة والطاقة المظلمة اللتين تشكلان أكثر من %95. والمادة المظلمة هي التي تدعم ترابط النجوم والمجرَّات، أما الطاقة المظلمة فتدعم توسع الكون وتدفع المجرات مبتعدة عن بعضها بعضاً! وعلى هذا فإن الكون يتكوَّن في معظمه من مادة مظلمة وطاقة مظلمة.

استمرت الأبحاث في الجانبين النظري والعملي لفهم طبيعة المادة المظلمة والطاقة المظلمة. وهناك كثير من الفرضيات التي تحاول ذلك. لكن حتى هذه اللحظة، لا نزال نجهل الكثير. والسبب في ذلك يعود إلى أنه لا يوجد تفاعل بين المادة المظلمة والطاقة المظلمة والمادة العادية والطاقة العادية. فالمادة العادية مثلاً، نرصدها ونفهم طبيعتها عن طريق الموجات الكهرومغناطيسية، أما المادة المظلمة فلا نستطيع أن نرصدها عن طريق الموجات الكهرومغناطيسية، أي إنها لا تبعث ولا تمتص الضوء، ولا يمكن رؤيتها على الإطلاق.

وتذهب إحدى الفرضيات التي تفسر طبيعة المادة المظلمة إلى القول إنها تتكون من جسيمات افتراضية وجديدة لم نكتشفها حتى الآن، وإن هذه الجسيمات تختلف عن الجسيمات المألوفة لدينا على الأرض. وربما نجد في الأكوان المتعددة أحد التفسيرات للطاقة المظلمة، حيث تحوي ثوابت مختلفة عن كوننا وطاقات مختلفة أيضاً. وإذا كان الكون يحتوي بالفعل على أبعاد متعددة غير محسوسة، فلربما كان غشاء كوننا يتفاعل مع أغشية الأكوان الأخرى من خلال الجاذبية. وإذا ذهبنا أبعد من ذلك، فلربما تغيَّرت القيم الثابتة للضوء والجاذبية مع مرور الوقت! وهناك من قال بوجود نوع جديد من المادة (العنصر الخامس) وهو بمنزلة الجوهر الذي يملأ الكون ويمتلك طاقة سلبية. وستبقى المادة والطاقة المظلمتان من أكبر الألغاز التي يحويها الكون.

إن النسبة الكبيرة للمادة والطاقة المظلمتين في هذا الكون، تجعلنا نفترض أو نتخيل وجود حياة تقوم على أساسهما، وهذه الحياة غير مرئية بالنسبة لنا. والأحياء هناك ربما لا يشعرون بوجودنا! أو أنهم على أساس حضارتهم المتقدمة، تعمدوا أن يخفوا أنفسهم عنا، وقاموا بتشفير أنفسهم بشكل جسيمات دون ذرية وغير مرئية لتكون حياتهم آمنة وربما يكونون محقين في ذلك! فقد تكون هناك عوالم كثيرة تقبع في هذا الظلام المجهول الذي لا نستطيع أن نشعر به. ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لهم. فحياتهم، إذا وجدت، سوف تكون مضيئة بالنسبة لهم! وليس هذا فحسب بل ذهب عالم الفلك البريطاني كاليب شارف إلى أبعد من ذلك، حيث افترض في مقال علمي نشره في مجلة (ناتلس) لشهر نوفمبر من عام 2016، أن المادة المظلمة والطاقة المظلمة عبارة عن حضارة متقدمة جداً لا نستطيع أن نميزها عن قوانين الفيزياء! ومثل هذه الآراء المتطرفة والقاسية، التي لا يمكن فحصها ولا رفضها تظل قائمة ولا يمكن استبعادها. ويعود السبب إلى أن الحياة خارج كوكب الأرض ليست بالضرورة تتشابه مع حياتنا، ومن الخطأ أن نبحث عن الحياة خارج كوكب الأرض  في محيط الحياة التي نعرفها، فنحن لا نعرف إلا نموذجاً واحداً من الحياة ألا وهو حياتنا الكربونية على كوكب الأرض. وهذه الحياة مهيمنة على تفكيرنا، لكن قد توجد نماذج متعددة من الحياة تفوق خيالنا! فلربما توجد حياة غير كربونية وتقوم على أساس السِّليكون، وقد توجد حياة غير مرئية إطلاقاً تقع في الجانب المظلم من هذا الكون، وباب الاحتمالات يبقى مفتوحاً. وكل هذه الاحتمالات ممكنة وتجعل من فهمنا لهذا الكون أكثر تعقيداً من الماضي، لدرجة أننا نواجه صعوبة في التمييز بين الخيال العلمي والعلم الحقيقي!

لقد ذهــب قبل ذلك الروائي البريطاني آرثر سي كلارك إلى أن أي حضـارة متقدِّمــة لا يمكن تمييزها عن السحر. وهذا يدفعنا إلى ما هو أبعد من ذلك، فماذا لو تقدَّمت هذه الحضارة إلى مستوى يفوق إدراكنا، بحيث إننا لا نفرق بينها وبين قوانين الفيزياء!

إن وجود هذه الحياة الغريبة التي تقع خارج نطاق إدراكنا وحواسنا وعجز تقنيتنا عن الوصول إليها، يبقى ممكناً وليس مستحيًلا، وإذا كانت هذه الحياة موجودة بالفعل، فهذا يعني أننا – نحن البشر- نعيش في جزء ضئيل من كون أعمق من أن نتخيله، توجد فيه حياة مظلمة وضخمة جداً لا نعيها في الوقت الحالي، وربما سنظل كذلك إلى الأبد، وهذه الغرابة الكونية توضحها مقولة عالم الوراثة البريطاني جي بي أس هالدين: “أشك الآن في أن الكون ليس فقط أغرب مما نظن، بل هو أغرب مما يمكننا أن نظن”.

 

أضف تعليق

التعليقات

نذير الصفار

الخيال العلمي بدأ يتداخل من العلم نفسه لأننابدأنا نفكر خارج الصندوق لنصل الى آراء متعددة حول ماهية الكون
شكرا للكاتب على سلاسة قلمه.

أكرم عباس الشرفاء

كما عودنا الأستاذ حسن الخاطر بتقديم الجديد، هاهو يعود بمقال جدا رائع ويفتح مجالا واسعاً للتفكير في مثل هذه المواضيع.. شكراً مجلة القافلة.. شكراً أستاذ حسن الخاطر

صادق آل باقر

رائع قلمك أستاذ حسن
كتاباتك تناسب المتخصص والغير متخصص
الكل يستفيذ منها ولا يمل من قراءتها
واصل إبدعاتك