علوم

كم عمرك؟
143 عاماً؟

هل ينجح العلم في إطالة عمر الإنسان؟

لطالما حلم الإنسان بالخلود. وقد نقلت إلينا الثقافات البشرية المتنوِّعة أساطير بخصوص “أكسير الحياة”و “نهر الشباب” التي تصلح ما أفسده الدهر وتعود بعجلة الزمن للوراء نحو الشباب والفتوة.
ومع أن السنن الكونية تفيد باستحالة تحقيق هذا الحلم، الذي سيغدو كابوسا في الواقع لو تحقق، إلا أنَّ الأبحاث العلمية تتواصل لفهم آلية الشيخوخة بغية إبطائها. وهذه الأبحاث ما هي إلا امتداد للثورة العلمية التي حلت بالمجالات الطبية منذ القرن العشرين، فارتقت به على نحو أسهم في إطالة متوسطات الأعمار حول العالم وزيادة مستوى العافية في المجتمعات المزدهرة التي يبدو أنها لم تكتف، وتطلب المزيد.

تُعد الشيخوخة جزءاً طبيعياً من دورة الحياة التي تبدأ بالولادة وتنتهي بالوفاة. وعلى الرغم من تصالحنا كبشر مع هذه المرحلة، والتعامل معها على ضوء التقدم الفكري والعلمي كحالة تستدعي قدراً أعلى من الرعاية والرفاه، إلا أنَّ الشيخوخة تعرّف، وفقاً للفهم البيولوجي والوظيفي، بأنها محض “خلل” في العمليات والوظائف البدنية مع تقدم الكائن الحي في العمر نتيجة تراكــم للأعطال بشكل يتعذر – حالياً – إلغاؤه أو عكس أثره.

وتتفاوت الكائنات الحية في متوسطات أعمارها المرصودة. فالذبابة العادية مثلاً تعيش لمدة شهر والنحلة تعيش 6 شهور أما عمر القطة فيتراوح بين 5-6 سنين وعمر الفيل قد يصل لمئة سنة، أما بعض أنواع الشجر فقد تُعمّر 1000 سنة، وبعضها أكثر من ذلك بكثير.

أما بالنسبة للبشر، ازداد متوسط العمر من 40 إلى 70 سنة خلال الخمسين سنة الماضية في قارة آسيا. ومن أهم العوامل الرئيسة في هذه الزيادة تقدُّم التقنيات للتشخيص والعلاج لأمراض كانت في السابق مصيرية وفتَّاكة. فمرض الجدري مثلاً هو أول مرض تم القضاء عليه من خلال تطوير اللقاحات التي تحمي من العدوى. ومن المتوقع أن يزيد معدل عمر الإنسان عالمياً خلال العقود المقبلة بتطور التقنيات البحثية التي تمكنِّنا من إيجاد علاج للأمراض الحالية المستعصية. خصوصاً بعض الدول في قارة إفريقيا، حيث يبلغ متوسط عمر الإنسان 50 سنة، إذ لا تزال هذه الدول تعاني من أمراض تم الكشف والقضاء عليها في البلدان الأكثر تطوراً ورفاهية.

حتى الآن، لا يوجد عامل واضح لسبب اختلاف الحد الأقصى للمدى العمري بين الحيوانات، وذلك لأن هناك عوامل كثيرة تحدِّد أعمار الحيوانات ضمن الفصيلة نفسها أو من فصائل مختلفة. ومن الصعب تقديم نتائج ذات علاقة مباشرة بالشيخوخة، حيث يتوجب تنفيذ أبحاث متعدِّدة التخصصات للتحقق من النتائج عبر مفاهيم علمية مختلفة، ويعيب هذه الأبحاث أنها ستستغرق – بحكم طبيعة المشكلة – سنوات طويلة جداً وتستمر على مدى أجيال من كل كائن تتم دراسته.

لكن هذا الواقع لم يفت في عضد الباحثين المتحمسين لفك ألغاز الشيخوخة على أمل التغلب عليها والحصول على نتائج يمكن تطبيقها في النهاية لإطالة متوسط الحياة المتوقع للبشر.

كروموسومات وخلايا متجدِّدة
أبرز الأبحاث المتقدِّمة في هذا المجال هي الأبحاث في التغيرات الجينية. وخصوصاً أبحاث البروفيسورة إليزابيث بلاكبيرن التي حازت جائزة نوبل في الطب عام 2009 لاكتشافها دور أطراف الكروموسومات في ثبات الوظائف الجينية في الخلايا ومقاومتها لبعض أعراض الشيخوخة. وتقوم الأبحاث الحالية على اختبار الجينات المسؤولة عن الشيخوخة. وقد نجح العلماء بإطالة عمر الذباب ضعفي عمره الأصلي عن طريق تعديل “شيفرة” الجينات المسؤولة عن مسارات الأكسدة.

تطورت الجراحات الترقيعية ودمج الأطراف الصناعية لتكون أقوى وأخف وزناً من الطرف المفقود أو المبتور، وقلّلت من عمليات زراعة الأعضاء.

أحياناً، يعمد البحَّاثة إلى استلهام حلول وتطبيقات من الطبيعة. فعلى مستوى مملكة الحيوان، ثمة نوع من قناديل البحر اسمه “قنديل البحر الخالد” يمكنه نظرياً أن يعيش إلى الأبد. يعيش هذا الكائن في البحر المتوسط وبحر اليابان. وسمي بهذا الاسم لأنه يستطيع أن يعود إلى مراحل حياته السابقة (مرحلة الطفولة) عند التعرض لعوامل خارجية قاسية مثل الجوع الشديد. ويستطيع البدء بدورة حياة جديدة بنفس الجسد، ولا يمر بمرحلة الشيخوخة والهرم. فقدرة الخلايا على التحوُّل من خلايا بالغة متخصصة إلى نوع مختلف من الخلايا (أو ما يسمى بالتمايز البيئي)، هي التي تمكن قنديل البحر هذا من الانتقال بين المراحل العمرية المختلفة في دورة حياته. وبالتالي يستطيع قنديل البحر الخالد العيش لآماد طويلة جداً إذا ترك بعيداً عن الحيوانات المفترسة له.

وبالمقارنة، توجد في جسم الإنسان خلايا أولية خالدة لديها القدرة على التجدُّد والحلول محل الخلايا التالفة في الجسم؛ ألا وهي الخلايا الجذعية التي تتركز في الحبل الشوكي ونخاع العظم عند البالغين. وكذلك توجد في المشيمة والحبل السري والسائل الأمنيوسي حول الجنين. ومع تنامي فهمنا لأهمية الخلايا الجذعية، باتت هناك شركات متخصصة اليوم تقوم بتخزين الحبل السري للجنين في حال تطورت الأبحاث يوماً ودعت الحاجة لاستخدام الخلايا الجذعية لتجديد الأعضاء التالفة للوليد أو لوالديه مستقبلاً.

إن واحداً من أشهر الأبحاث الجزيئية المتعلِّقة بالخلايا الجذعية هو ما قام به شينيا ياماناكا من جامعة كيوتو في اليابان، الذي استطاع أن يحوِّل خلية ناضجة إلى خلية جذعية أولية عن طريق إعادة برمجة الجينات في النواة. وقد نال البروفيسور ياماناكا مع زميله الباحث جون غوردن جائزة نوبل في الطب عام 2012 على هذا البحث الذي فتح أبواباً عديدة في طب التجديد.

إن أبرز الباحثين الذين يروِّجون فكرة الخلود وإطالة العمر هو البروفيسور آوبري دو غراي من جامعة كامبريدج في بريطانيا. وقد بدأ دو غراي البحث في إيجاد علاقة بين الشيخوخة وتجمع الجذور الحرة أو الشقائق في العضيات المسؤولة عن توليد الطاقة داخل كل خلية. وقد قسم الشيخوخة في الجسم إلى الأنواع والأسباب التالية:
أولاً:
طفرات جينية في كروموسومات الخلية وطفرات جينية في الحمض النووي للميتوكوندريا (هي التراكيب أو الهياكل داخل الخلايا التي تحول الطاقة في المواد الغذائية إلى شكل يمكن للخلايا استخدامها)، ما يسبب عطلاً في إنتاج البروتينات اللازمة لبناء أو ترميم الجسم وتشغيل الوظائف الفيزيولوجية الأخرى.

ثانياً:
تجمّع مواد غير قابلة للانكسار داخل الخلية وخارجها. وهذه إحدى مسببات تصلب الشرايين والخرف التي تظهر أعراضها مع تقدُّم العمر.

ثالثاً:
عدم قدرة الخلايا على الانقسام وتجديد نفسها. ما يسبب مرض الباركنسون الذي تظهر أعراضه بعد سن الستين.

رابعاً:
تشعب البروتينات خارج الخلية. وهي إحدى المسببات الرئيسة لضعف البصر الشيخوخي وفقدان مرونة العدسة البلورية، فتبدأ بعد سن الخمسين صعوبة النظر في الضوء الخافت ومشكلات التركيز في النصوص الصغيرة.

تقوم أبحاث البروفيسور دو غراي على إيجاد حلول بيولوجية وطبية لأعراض الشيخوخة. وقد استثمر 13 مليون دولار من إرث والدته لتمويل أبحاثه. بالإضافة إلى تمكّنه من جذب ممولين لمساندة بحثه مادياً مثل بيتر ثيل، أحد مؤسسي تطبيق “باي بال” . وعلى الرغم من أنه واجه انتقادات كبيرة في مهمته، فإنه يركز جهوده على إلهام الطلبة والباحثين في تطوير حلول بيولوجية لإطالة عمر الحيوانات في المختبر.

قطع للغيار والترقيع
هناك مدرسة فكرية ثانية تقدِّم علاجاً لمشكلة الشيخوخة من خلال استبدال الأطراف والأعضاء التالفة بمواد مستدامة قابلة للبرمجة مثل مضخة القلب الإلكترونية. وذلك لأن هندسة المواد المصنعة أقل تعقيداً من الهندسة الجينية والبيولوجية لجسم الإنسان. ومع تطور تقنيات النانو وبرمجة الجزيئات المرنة التي نراها الآن في شاشات الجوال القابلة للانحناء، ستنتقل هذه التقنية لدعم الوظائف البيولوجية للإنسان بشكل كبير.

كما نلاحظ اليوم تطوراً واضحاً في الجراحات الترقيعية ودمج الأطراف الصناعية لتكون أقوى وأخف وزناً من الطرف المفقود أو المبتور. وأصبحت هناك حلول روبوتية لدمج الوحدة الإلكترونية في الطرف الصناعي بالأعصاب المتبقية في جسم المريض لإنشاء وسيلة تخاطب مع الإشارات العصبية وترجمتها لحركات ميكانيكية في الطرف الصناعي. وبذلك يستطيع الشخص مزاولة نشاطه اليومي بقيود محدودة. وقد تطوّرت الطباعة الثلاثية الأبعاد إلى درجة إنتاج هياكل معقَّدة التركيب وبأحجام صغيرة جداً. وقد أسهمت هذه التقنية بنقلة نوعية في طباعة أعضاء الإنسان. خصوصاً لأن هناك اختلافاً في أحجام وأشكال الأعضاء بين الناس، ويمكن تصميم أعضاء خاصة لكل شخص حسب شكل هيكل الجسم الداخلي حول العضو. وبذلك نستطيع استبدال جراحة نقل بعض الأعضاء في الجسم دون الاعتماد على أعضاء شخص آخر مانح. وبدأ تطبيق هذه التقنية في استبدال صمامات القلب بصمامات مطبوعة بمواد مستدامة لتأجيل الشيخوخة في الجهاز الدموي.

أما المدرسة الفكرية الثالثة فتقوم على مبدأ (الوقاية خير من العلاج). وبتطور الساعات والأساور الملبوسة المخصصة لقياس اللياقة البدنية، ستقوم هذه الأدوات بتعقب المؤشرات الحيوية للإجهاد والاكتئاب أو حتى الأمراض. وحالياً نقوم بقراءة المؤشرات الحيوية بسحب الدم وقياس بعض مكوناته البيولوجية لتشخيص الأمراض. ولكن بالتقنيات الجديدة سنتمكَّن من تعقب تلك المؤشرات الحيوية عن طريق قياس نفس المؤشرات الحيوية في العرق فوق الجلد. وستكون هذه خطوة غير مسبوقة في متابعة صحة الجسم وسلامته قبل ظهور المرض، واكتشافه من البداية قبل الانتشار أو الانتقال عن طريق العدوى، بما في ذلك آثار الشيخوخة وإبطائها قبل تصاعدها إلى مرحلة متأخرة.

التبعات الاجتماعية والاقتصادية
لكن يبقى السؤال؛ ما التبعات الاجتماعية والاقتصادية لو تمكنّا فعلاً من إطالة عمر الإنسان حتى 150 و 200 سنة؟

لنبدأ بالجانب الإيجابي للأمر. ولعل أول ما يطرأ على البال هنا هو التسارع غير مسبوق في التبادل المعرفي بين البشر. فنحن قد ورثنا – فردياً وجمعياً كذلك – كل الثقافات واللغات والتصورات التي تحدد تفكيرنا عن طريق تشابك العصبونات الدماغية خلال فترة زمنية محدودة لدماغ اكتسب الحكمة خلال 60 – 80 سنة، وهو متوسط عمر الإنسان حالياً. لكن ماذا لو استطعنا حماية خلايا الدماغ من الشيخوخة وأضفنا زمناً إضافياً (100 – 200 سنة) لإنشاء تشابكات جديدة في الدماغ؟ هذه التشابكات ما هي إلا تعبير عن مزيد من المعارف والمهارات والخبرات الذهنية المكتسبة التي ستترجم في النهاية إلى إبداع بشري جديد. فهل سيتطوَّر مفهومنا للحياة بطريقة جديدة وغير متوقعة؟

من الناحية الاجتماعية يسعنا أن نفترض أن التقدُّم في العمر سيرافقه انخفاض معدل المواليد. وقد رأينا اتجاهاً ملحوظاً في انخفاض معدل الولادة خلال العقد الماضي وتفضيل النساء الإنجاب بعد سن الثلاثين والأربعين في الدول الأكثر رفاهية. وفي حال القضاء على آثار الشيخوخة لدى النساء بحسب الوارد أعلاه، فقد يرتفع عمر الإنجاب إلى السبعين مما سيؤدي إلى انخفاض حاد في معدلات الولادة، الأمر الذي سيوازن أثر ارتفاع متوسط العمر المتوقّع للإنسان.

أما من الناحية الاقتصادية، فيمكننا أن نبني تنبؤاتنا على دراسات الموارد المقترنة بالانفجار السكاني مع انخفاض سن الوفيات في القرن الماضي. ونعني بالموارد ما توفره لنا هذه الأرض من طاقة استيعابية محدودة تتمثل في مساحة معيَّنة من الأرض تكفي لعدد معيَّن من الأشخاص. فكثير من العلماء قدورا القدرة الاستيعابية للكرة الأرضية حالياً، بما في ذلك موارد المياه والغذاء والطاقة، بـ 10 مليارات نسمة. ولن نتمكَّن من زيادة القدرة الاستيعابية إلا بالاعتماد على طاقة نظيفة ومستدامة. إننا نرى آثار الانفجار السكاني بعواصم المدن الكبرى الذي يؤدي إلى عجز خطير في الموارد الغذائية والخدمات الصحية. ومع ازدياد عمر الإنسان، قد تفرض قوانين دولية لتحديد النسل كما هو مطبق في الصين. وقد تتوصل الأبحاث في التعديلات الجينية النباتية المقاومة للجفاف ونستطيع إيجاد المحاصيل من النباتات في مناطق غير زراعية بكفاءة عالية لإيجاد حل لمشكلة المجاعة في المستقبل. أما الجانب المظلم اقتصادياً من إطالة العمر فيتمثل في البطالة والاستنزاف الوظيفي. فالبطالة ستكون نتيجة تمديد السنوات الوظيفية افتراضاً من 40 إلى 80 سنة حتى التقاعد. وهذا سيشكِّل نزيفاً للاقتصادات الريعية لدفع أضعاف الراتب للموظف الواحد خصوصاً مع العلاوات السنوية المتراكمة خلال 80 سنة. فالملل والاستنزاف الوظيفي قد ينتج من طول المدة الوظيفية، والبحث عن وظيفة جديدة سيصبح ممكناً في عمر الـ 60 سنة بدلاً من التقاعد. وإذا أضفنا التحدي الآخر المتمثل في حلول الآليات الذكية محل الإنسان في كثير من المهن في المستقبل المنظور، سنجد أن العمر المتطاول ليس نعمة بالضرورة، ومن يعش ثمانين حولاً – كما قال الشاعر العربي القديم- يسأمِ!

ماذا تستطيع فعله حالياً لتجنب أعراض الشيخوخة؟
ننصح باتباع نصائح راي كورزوايل في كتابه (التسامي Transcend). وأول نصيحة هي أن تكون أنت المسؤول عن صحتك، أنت فقط، ليس أمك أو زوجتك أو حتى طبيبك. قد تكون هذه النصيحة بديهية، ولكنها صعبة التطبيق في الواقع. إذ إننا نرى كثيراً من الأشخاص يتجنبون زيارة الطبيب في بداية المرض وينتظرون حتى التعرض لآلام مستعصية، فيكون المريض قد وصل بمرضه إلىمرحلة تستعصي على العلاج. فإذا قمت بالخطوات المناسبة للوقاية من الأمراض، تستطيع الانتقال إلى النصيحة الثانية وهي تغيير نمط الحياة إلى روتين صحي ومستمر. وتجد تفاصيل حول الحميات والمكملات الغذائية في كتاب الهدف الرئيس منه هو إبقاء جسمك في حالة صحية جيدة، حتى تتمكَّن من الاستفادة من حلول الأبحاث المستقبلية للشيخوخة.

 

أضف تعليق

التعليقات