فرشاة و إزميل

النحّات تامر رجب

«فكرة العمل تحدِّد خامته.. والبرونز هو المفضّل لدي»..

منذ أكثر من ست سنوات، انتقل النحّات تامر رجب من مصر ليستقر في المدينة المنوّرة، حاملاً معه تجربة فنية كانت قد بلغت النضج، وأضاف إليها كثيراً من بيئته الجديدة، ليصبح بذلك جزءاً من الحياة التشكيلية في المملكة واسماً معروفاً في فضائها.
وفي محترفه الغارق بالضوء النهاري القوي، كان لنا لقاء معه، للتعرف عن قرب على منهجه في العمل، وسبر ما تيسّر من أغوار أعماله المتميِّزة في لغتها الجمالية.

يدلف النحّات المعاصر تامر رجب إلى محترفه خلال النهار. وكما هو حال كل النحَّاتين الذين يدركون جيداً مفاعيل الضوء على أعمالهم، نراه يحبّذ العمل في حضرة ضوء الشمس، حيث يملأ النور المكان، سواءً أكان موضع العمل داخلياً أم في الهواء الطلق.

لا يتبع رجب طقوساً خاصة أثناء ممارسته لفنه في محترفه. غير أنه يحرص على توفّر أمرين فقط إضافة إلى الضوء: الهدوء وسماع الموسيقى الكلاسيكية.. فيمسك بإزميله ومطرقته، ويجلس أمام عمله ليشرع في استكماله. ولكن كيف يبدأ العمل على منحوتة ما عند رجب؟

الرسم التحضيري أولاً..
يقول الفنان: «عندما تتولَّد في ذهني فكرة جديدة، أبدأ بالعمل عليها، وأمسك بقلم الرصاص أولاً بدلاً من الإزميل، وأبدأ في تخطيط الرسم التحضيري للمنحوتة التي أنوي تنفيذها. ومن خلال هذا الرسم، أكون قد درست نظرياً العمل، وشرّحت عناصره وأبعاده وربما حدَّدت الخامة التي سأستخدمها».

وفكرة العمل لا تأتي عند رجب نتيجة تفكير موّجه نحو مواضيع محددة سلفاً، ولا تحقيقاً لفكرة مسبقة. وهو يقول في هذا الصدد: «إن فكرة المنحوتة تأتي من مشاهداتي ومخزون تجاربي، وكثيراً ما حاولت التعبير عن شيء محدَّد ولم أتمكن من صياغته. وقد تظل فكرة ما تدور في رأسي فترة طويلة دون أن أستطيع التعبير عنها، حتى في رسم أولي. ولكن، في لحظة ما، قد تكتمل الفكرة، وأبدأ الرسم التحضيري لتسجيلها، وقد يأخذ ذلك مني بعض الوقت، ثم أبدأ في بناء المنحوتة».

ويضيف: «في بعض الحالات النادرة، أتأثر بحالة معيَّنة، وتتولَّد لديَّ الأفكار، فأقوم بتسجيلها بسرعة حتى لا تتغيَّر أو تتلاشى من مخيلتي. لذلك فإن الرسم التحضيري هو بالنسبة لي هو أحد أهم مراحل العمل. إذ أسجل بواسطته الملاحظات، وأرسم على ضوئه التمثال بما يتضمنه من تفاصيل».

المنحوتة تختار خامتها
وما إن يجول بصر الزائر لبرهة على أعمال رجب في محترفه، حتى يتأكد له أنه أمام فنان يعتمد خامات شديدة التنوع في منحوتاته. وهو يقول في هذا الشأن: «لكل عمل خامة تتناسب معه، ولكل خامة قوّتها وبريقها الذي تضيفه إلى المنح

وتة. فحجر الجرانيت، مثلاً، من أقوى الخامات وأصلبها، وهو لا يتيح التعامل معه بحرية كاملة.. وكذلك خامة الرخام بمختلف أنواعه غير أنه من الخامات التي أفضِّلها على الغرانيت، نظراً لأنه يمنحني شيئاً من الحرية في التشكيل والبناء».

 

«أما معدن البرونز فهو الخامة المفضلة لديَّ بشكل مطلق، لأنه يساعدني على الانطلاق بحرية كاملة. ولذا ترى أن أغلب أعمالي هي من مادة البرونز، لأنها تضيف – إلى جانب كونها خامة محررة للفنان – القدرة على إخراج الشكل النهائي للعمل بالملمس واللون والكتلة المتماسكة المبهرة. كما أن خامة البرونز مختلفة من حيث الوزن، فهي أخف من الخامات الأخرى. ويساعدني هذا على نقلها بسهولة لعرضها في أماكن وبلدان مختلفة».

وحول مراحل العمل على البرونز يوضِّح رجب: «قبل مرحلة سبك العمل من مادة البرونز، فإنني أنفِّذ المنحوتة بالطين، المادة التي أفضِّلها في بعض الأعمال، نظراً لما تشيعه من إحساس بدفء العمل الفني. وفي بعض الأحيان، أستعين بخامة الستايروفوم أو الفلين، التي تمنحني قدراً أكبر من الحرية. فهي خامة تتشكل بمنتهى السهولة، ولا تلزم الفنان بسماكة معينة كما يحدث في بعض الأحيان عند استخدام الطين، وتجعل المراحل التالية يسيرة حتى يخرج العمل بمادة البرونز».

التأويل وأمنياتي
عن تأويل أعماله وشرحها للجمهور يقول رجب: «لا أحبِّذ شرح أعمالي وتفسيرها للمتلقي. فعلى المتلقي أن يتأمل العمل ليخرج برؤيته الخاصة المبنية على ثقافته وما حركه في داخله العمل من شعور ومعانٍ. ولكن إذا اضطرني أحد المتلقين أو السائلين عن العمل، فربما أتحدث عن فلسفة العمل، وليس عن معناه أو ما أردت أن أقول بالتحديد، وهذه قناعة راسخة لديَّ. فالمدرسة الرمزية التي أجد نفسي في خضمها، ومن دون قصد مني، تتيح للمتلقي أفقاً واسعاً للتأويل. وبالتالي لا أريد أن أحرمه من المشاركة في العمل بإحساسه وما اعتمل في دواخله حياله».

ويلخص الفنان رؤيته لنفسه وطموحاته بقوله: «يسعى الفنان طوال حياته إلى الكمال والبحث والتجريب، وأنا مستمر في ذلك. وأتمنى أن أصل إلى مزيد من التميُّز والقدرة على الإبداع وطرح أفكار مختلفة بأسلوب معاصر. كما أتمنى أن تصل أعمالي الفنية إلى كل العالم وأن تُعرض في أهم صالات الفن ويكون لها القدرة على التأثير في الجمهور المتذوق للفن التشكيلي، وأتطلع لأكون قادراً على إضافة شيء جديد إلى الفن، وإيجاد تعبير قوي عن الحضارة المصرية العظيمة، وتعبير صادق عن الفن العربي بما يحمله من قيم إنسانية».

«العمل أمام الجمهور يولِّد إحساساً مختلفاً»
ويستعيد رجب في ذاكرته بعض التجارب المميزة التي خاضها، ومن أبرزها تجربة العمل أمام الجمهور. فيقول: «من التجارب التي أعتز بها اشتراكي في سمبوزيوم الدوادمي عام 2012م، ومشاركتي في السمبوزيوم الذي أقامته أجنحة عربية تحت عنوان «جدة مدينة معاصرة» على كورنيش جدة عام 2013م، واستمر لمدة 20 يوماً أمام الجمهور، وكان معي النحَّات طلال الطخيس من السعودية، والنحَّات أحمد قشطة من إسبانيا. وكان على كل نحات أن ينفِّذ عملاً على قطعة رخام طبيعي ارتفاعها 1 متر وعرضها 60 سم وعمقها 40 سم، وعلى قاعدة صخرية ترتفع 80 سم.

ليس هناك منحوتة معينة أقرب إلى نفسي من غيرها، كل تمثال وله حالته التي كنت مشحوناً بها وحاولت التعبير عنها.. فكل عمل من أعمالي يحمل في داخلي قيمة وتعبيراً عن تجربة مررتُ بها أو عايشتها من قصص الحياة المختلفة…

وقيمة التجربة تكمن في إقامتها أمام الجمهور، فالعمل في حضرة الجمهور يولِّد إحساساً مختلفاً يتكرَّس في المواجهة الحميمة معه.. كان العمل يجري يومياً من الساعة الرابعة عصراً وحتى العاشرة ليلاً، في منطقة مكشوفة على طريق الكورنيش، حيث يتوافد الناس والفنانون لمراقبتنا والحديث معنا، والتداخل مع آلية العمل وطرح أسئلة وفتح نقاشات ثرية وملهمة.

كانت تلك التجربتان من أروع التجارب الفنية التي مررت بها. فمن خلالهما تعرفت على مزيد من الفنانين العرب والسعوديين. وكان للوقوف على تفاعل الناس ونقاشاتهم للأعمال النحتية أبلغ الأثر في نفسي. إذ لمست مدى اهتمام الجمهور السعودي بفن النحت ورغبة كثيرين في التعرف على الأدوات والخامات والأساليب، ومشاهدة قدرة الفنان على التحكم في الخامة وتطويعها وتحويلها من مجرد كتلة صماء إلى عمل يحمل قيمة فنية.. لذلك أتمنى أن تتكرر تلك التجربة لما تحمله من قيمة ثقافية و جمالية.

الشغف يُتوّج بالدراسة
ونعود مع رجب إلى البدايات، فكيف ومتى قرر أن يحترف النحت؟

فيجيب: «بدأت أكتشف شغفي بالرسم في مراحل الدراسة المختلفة، وربما ظهر تميّزي بين زملائي منذ آنذاك.. ثم جاءت المرحلة الجامعية، حين التحقت بكلية التجارة في جامعة عين شمس بالقاهرة، وهناك تشكل تفكيري في مختلف الفنون، ولقيت تشجيعاً من العائلة عند بداية اشتغالي بفن النحت، ما شكّل دافعاً قوياً على الاستمرار».

ويحرص رجب على تذكر مرحلته الجامعية، التي تبدو وكأنها الفترة التي صاغت شخصيته الفنية، فيقول: «شجَّعني مجتمع الجامعة أيضاً على المضي قدماً في هوايتي وتنمية موهبتي، من خلال توفير الخامات والمساعدة التي تلقيتها من الأساتذة المتخصصين في كليات الفنون المختلفة، إذ إن توجيهاتهم لي ولزملائي صوب الكتب المختلفة الضرورية لتنمية الثقافة الفنية، ساعدتني على تثقيف نفسي ومعرفة الفنون وفلسفتها وتاريخها. وفي المرحلة الجامعية كذلك، تركزت جهودي على المشاركة في مسابقات الفنون التشكيلية التي كانت تقام على مستوى الجامعات المصرية. وحصلت في بعضها على المراكز الأولى، فعزز ذلك في داخلي الثقة بنفسي، وشدّ من عزيمتي على الاستمرار».

ويتابع النحّات ابن السبعة وثلاثين عاماً قائلاً: «أما نقطة التحول الحقيقية بالنسبة لي فقد أتت من خلال مشاركتي في سمبوزيوم الجامعات الأول الذي أقيم بجامعة المنيا عام 2004م، حيث أنجزت أول عمل نحتي من الحجر الجيري بلغ ارتفاعه مترين. ومن ثم توالت المشاركات المحلية والدولية في تونس وسوريا والإمارات. أما المملكة فوفرت لي المشاركة بين أبنائها في الكثير من المعارض التشكيلية. وأذكر منها سمبوزيوم الدوادمي الأول تحت رعاية وزارة الثقافة والإعلام السعودية عام 2012م، وسمبوزيوم النحت المعاصر بجدة عام 2013م، إضافة إلى التعاون مع القاعات الفنية التي عرضت فيها لمحبي فن النحت في السعودية».

تأثَّرت بهؤلاء

«أكثر ما أثّر في وجداني هو الصحراء، وما تحمله من هدوء وجمال ووحشه وغضب.. إنها لوحات تشكيلية ترسمها الرياح بالرمال»…

وأمام أعماله التي تتأرجح بين التجريد الخالص والسوريالية المقروءة بوضوح والمميّزة بانتصار الخطوط المنحنية التي تعيد إلى الأذهان ولو من بعيد بعض أعمال سالفادور دالي، كان لا بدّ من طرح السؤال عن الفنانين الذين أثّروا في تامر رجب، وتأثر بهم. عن ذلك يجيب: «من المؤكد أني تأثرت بالفن المصري القديم. فتاريخ مصر امتزج بالفن. ومنذ أقدم العصور، سجّل المصري القديم حياته ومشاهداته على الجدران والمسلَّات التي شيَّدها ليوثق عظمة تلك الحضارة، وما نحن إلا امتداداً لذلك النهر العظيم. كما إني تأثرت بجماليات العمارة الإسلامية، وكذلك بالفنانين الرواد أمثال محمود مختار الذي تفتحت عيوني على أعماله، وبالفنانين صبحي جرجس، وعبد الهادي الوشاحي، الذي تعلمت من أعماله الكثير، وتأثرت به أشد تأثير».

وإن كان بعض الفنانين يميلون إلى بعض أعمالهم أكثر من غيرها، ويفضلونها عليها، فإن تامر رجب أشبه بالأب الذي لا يستطيع تفضيل واحد من أبنائه على الآخرين، فيقول: «ليست هناك منحوتة معينة أقرب إلى نفسي من غيرها. فلكل منها حالتها التي
كنت مشحوناً بها، وحاولت التعبير عنها. وكل عمل من أعمالي يحمل في داخلي قيمة ويعبِّر عن تجربة مررت بها أو عايشتها من قصص الحياة المختلفة، ولا يمكنني تمييز عمل عن آخر. بعبارة أخرى، إن أعمالي تجربة مستمرة أقوم من خلالها بتسجيل كل شيء تراه عيناي وأتأثر به».

الصحراء.. أحدث مصادر إلهامه
ويختتم تامر رجب حديثه إلينا بتناول مرحلة إقامته في المملكة منذ ست سنوات، وما كان لها من تأثير عليه، فيقول: «من المؤكد أن مرحلة إقامتي في المملكة كانت مفيدة. فقد اطلعت عن قرب على ثقافة مختلفة ونحّاتين لهم اتجاهات فنيه شديدة الخصوصية والتميّز. ولكن أكثر ما أثّر في وجداني هو الصحراء، وما تحمله من هدوء وجمال ووحشة وغضب.. إنها لوحات تشكيلية ترسمها الرياح بالرمال، ومنحوتات عملاقة صاغتها عوامل التعرية على مر الزمن.. لقد كان لتأملي لتلك الطبيعة أثر كبير في نفسي، وحاولت إنتاج بعض الأعمال التي تحمل حركة الرياح بانسيابيتها وانطلاقها ودهشتها».

أضف تعليق

التعليقات